المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣١ - ٣٨٠٧- المعمر بن علي بن المعمر، أبو سعد بن أبي عمامة الواعظ
الآخرة و الدنيا معلوم، يا صدر الإسلام إن آحاد الرعية من الأعيان مخيرون في القاصد و الوافد إن شاءوا وصلوه، و إن شاءوا قطعوه، [١] فأما من توشح بولائه و ترشح لآلائه فليس مخيرا في القاصد و الوافد، لأن من هو على الحقيقة أمير فهو في الحقيقة أجير، قد باع نفسه و أخذ ثمنه، فلم يبق له من نهاره ما يتصرف فيه على اختياره، و لا له أن يصلي نفلا و لا يدخل معتكفا دون التبتل لتدبيرهم،/ و النظر في أمورهم، لأن ذلك فضل و هذا ٥٠/ ب فرض لازم، و أنت يا صدر الإسلام و إن كنت وزير الدولة، فأنت أجير الأمة استأجرك جلال الدولة بالأجرة الوافرة لتنوب عنه في الدنيا و الآخرة، فأما في الدنيا ففي مصالح المسلمين [٢]، و أما في الآخرة فلتجيب عند رب العالمين، فإنه سيقفه بين يديه و يقول له: ملكتك البلاد و قلدتك أزمة العباد فما صنعت في إقامة البذل و إفاضة العدل؟ فلعله يقول: يا رب اخترت من دولتي شجاعا عاقلا حازما و سميته قوام الدين نظام الملك و ها هو قائم في جملة الولاة، و بسطت يده في السوط و السيف و القلم، و مكنته من الدينار و الدرهم، فاسأله يا رب ما ذا صنع في عبادك و بلادك؟ أ فتحسن أن تقول في الجواب نعم تقلدت أمور العباد و ملكت أزمة العباد فبثثت النوال و أعطيت الإفضال حتى إني أقربت من لقائك و دنوت من تلقائك اتخذت الأبواب و النواب و الحجّاب و الحجاب ليصدوا عني القاصد و يردوا عني الوافد، فاعمر قبرك كما عمرت قصرك، و انتهز الفرصة ما دام الدهر يقبل أمرك، فلا تعتذر فما ثم من يقبل عذرك، و هذا ملك الهند و هو عابد صنم ذهب سمعه فدخل عليه أهل مملكته يعزونه في سمعه، فقال: ما حزني لذهاب هذه الجارحة من بدني و لكن لصوت المظلوم كيف لا أسمعه فأغيثه، ثم قال: إن كان قد ذهب سمعي فما ذهب بصري، فليؤمر كل ذي ظلامة أن يلبس الأحمر حتى إذا رأيته عرفته فأنصفته.
و هذا أنوشروان قال له رسول/ ملك الروم: لقد أقدرت عدوك عليك بتسهيل الوصول إليك، فقال: إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظلامة و أقضي حاجة، و أنت يا صدر الإسلام أحق بهذه المأثرة، و أولى بهذه المعدلة، و أحرى من أعد جوابا لتلك المسألة، فإنه اللَّه الّذي تكاد السموات يتفطرن منه في موقف ما فيه إلّا خاشع أو خاضع
[١] في ص، ط: «إن شاءوا فصلوه».
[٢] في الأصل: «في الدنيا فلمصالح المسلمين».