المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٠١ - باب ذكر خلافة الراشد باللَّه
فلما كان يوم الاثنين خامس ذي الحجة حضر الناس ببيت النوبة، و جلس الراشد و سلم إلى حاجب الباب إنهاء فأخذه و نهض قائما فقرأه، و كان فيه: «بسم الرحمن الرحيم لما أجل اللَّه محل أنبيائه و جعله نائبا عنه في أرضه آمرا في سمائه و ارتضاه خليفة على عباده و عاملا بالحق في بلاده تقدم بتصفح ما كان يجري على أيدي النواب في الأيام المسترشدية سقاها اللَّه رحمة مستهلة السحاب و ما عساه كان يتم من أفعالهم الذميمة فوقف من ذلك على سهم المطالبة بغير حق فاقتضى رأيه الشريف التقدم برفع المطالبة عنهم، و أبرز كل ما وجد و أوعز برده على أربابه [١] ليحظى الامام الشهيد بزلفى ثوابه [٢]، و ليعلم الخاصة و العامة من رأى أمير المؤمنين إيثاره رضا اللَّه سبحانه».
و أخرج من باب الحجرة أكياس فيها حجج الناس و وثائقهم و ما كتب عليهم و ما أخذ منهم فأعيد على أربابه، و شهد الشهود على كل منهم أنه قد أبرأ أمير المؤمنين مما يستحقه في ذمته، و تقدموا إلى خازن المخزن بإخراج ما عنده من الوثائق، فانصرف الناس يدعون لأمير المؤمنين و يترحمون على الماضي، و كان المتولي لقراءة الكتب و تسليمها إلى أربابها كثير بن شماليق.
ثم حضر الناس يوم الخميس و جرت الحال كذلك، و حضر يومئذ القاضي ابن كردي قاضي بعقوبا فتظلم، و كانت له هناك وثائق و قال: ما ظلمني إلا ابن الهاروني، و أن أمير المؤمنين لم يأخذ مني شيئا، فكتب صاحب الخبر بذلك، فخرج الإنهاء بعزله، و قال الراشد: هذا القاضي قد كذب و فسق فإن المسترشد كان يأمر ابن الهاروني.
فلما كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة صلي على المسترشد في بيت النوبة، و نودي في بغداد بالصلاة عليه، فحضر الناس فلم يسعهم المكان، و أم الناس الراشد، و خرج الناس في العيد على العادة و تكاثر البكاء على المسترشد عند رؤية [٣] الأعلام/ و الموكب. ١٣٣/ أ
[١] فب ص: «كاما و جودوا و أعوز برده على أربابه».
[٢] في الأصل: «الإمام الشهيد بلقيا توابه».
[٣] في المطبوعة: «و تكاثر الناس على المسترشد» و ما أوردناه. من ت.