المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣ - ثم دخلت سنة ست و ثمانين و اربعمائة
[المجلد السابع عشر]
ثم دخلت سنة ست و ثمانين و اربعمائة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم صلى اللَّه على سيدنا محمد و آله و صحبه فمن الحوادث فيها:
أنه كان قد قدم إلى بغداد في شوال سنة خمس و ثمانين رجل من أهل مرو و اسمه أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، ثم خرج إلى الحج، فلما قدم جلس في النظامية سنة ست، و حضره أبو حامد الغزالي المدرس بها، و كان الغزالي يحاضره و يسمع كلامه منذ قدم بغداد، فلما جلس كثر الناس عليه حتى امتلأ صحن المدرسة و أروقتها و بيوتها و غرفها و سطوحها، و عجز المكان فكان يجلس في قراح ظفر، و في كل مجلس يتضاعف الجمع و ذرعت الأرض التي عليها الرجال خاصة فكان طولها مائة و سبعين ذراعا و عرضها [١] مائة و عشرين ذراعا، و كان النساء أكثر من ذلك، فكانوا على سبيل الحزر ثلاثين ألفا، و كان صمت هذا الرجل أكثر من نطقه، و كانت آثار الزهادة بيّنة عليه، و كان إذا تكلم كلمة ضجوا و هاموا، و ترك أكثر الناس معايشهم، و حلق أكثر الصبيان شعورهم، و أووا إلى المساجد و الجوامع، و توفروا على الجماعات، و أريقت الأنبذة و الخمور، و كسرت آلات الملاهي.
و حكى إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال [٢]: كان العبادي ينزل رباطا و كان في الرباط بركة كبيرة [٣] يتوضأ فيها، فكان الناس ينقلون منها الماء بالقوارير و الكيزان تبركا حتى كان يظهر فيها نقصان الماء.
[١] في الأصل: «الرجال خاصة فكانت مائة و سبعين ذراعا طولا و عرضها» ..
[٢] في الأصل: «بن أبي سعد الصيرفي.
[٣] في ص: «كان العبادي ينزل في رباطنا بركة كبيرة». و ما أوردناه من الأصل، ت.