المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨ - ٣٦٥١- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني
فقلده قضاء القضاة في رمضان سنة ثمان و سبعين، و خلع عليه، و قرئ عهده و لم يرتزق على القضاء شيئا، و لم يغير ملبسه و مأكله و أحواله قبل القضاء، و كان يتولى القضاء بنفسه، و لا يستنيب أحدا و لا يحابي مخلوقا، فلما أقام الحق نفرت عنه قلوب المبطلين، و لفقوا له معايب لم يلصق به منها شيء، و كان غاية تأثيرها أنه سخط عليه الخليفة، و منع الشهود من إتيان مجلسه، و أشاع عزله فقال: لم يطر عليّ فسق استحق به العزل. فبقي كذلك سنتين و شهورا، و أذن لأبي عبد اللَّه محمد بن عبيد اللَّه الدامغانيّ في سماع البينة، فنفذ من العسكر بأن الخبر قد وصل إلينا أن الديوان قد استغنى عن ابن بكران، و نحن بنا حاجة إليه، فيسرح إلينا، فوقع الإمساك عنه، ثم صلح رأى الخليفة فيه، و أذن للشهود في العود إلى مجلسه، فاستقامت أموره، و حمل إليه يهودي جحد مسلما ثيابا ادعاها عليه، فأمر ببطحه و ضربه فعوقب فأقر، فعاقبه الوزير أبو شجاع على ذلك، و اغتنم أعداؤه الفرصة في ذلك، فصنّف أبو بكر الشاشي كتابا في الرد عليه ١٤/ سماه: «الرد على من حكم بالفراسة [١]/ و حققها بالضرب و العقوبة» و قد ذكر أن الّذي فعله له وجه و مستند من كلام الشافعيّ.
قال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال: أخذ قوم يعيبون على الشامي و يقولون: كان يقضي بالفراسة و يواقعه، قال: فضرب كرديا حتى أقرّ بمال أخذه غصبا و كان ضربه بجريدة من نخلة داره، فقلت: أعرف دينه و أمانته، ما كان ذلك بالفراسة، لكن بأمارات، و إذا تأملتم الشرع وجدتم أنه يجوز التعويل على مثلها، فإنه إذا رأى صاحب كلالجات و رعونة يقال إنه رجم سطحا لأجل طائر، فكسر جرة، و كان عنده خبر أنه يلعب بالطيور، فقال: بل هذا الشيخ رجم. و قد ذهب مالك إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم على ما حكاه بعض الفقهاء، و ذلك يستند إلى قوله: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ» [٢] و من حكمنا بعقد الأزج، و كثرة الخشب، و معاقد القمط، و ما يصلح للمرأة و ما يصلح للرجل، و الدباغ و العطار إذا تخاصما في جلد، و هل اللوث في القسامة إلى نحو هذا.
[١] في الأصل: «على من حكم بالسياسة».
[٢] سورة: يوسف، الآية: ٢٦.