أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - الأمر السادس الفرق بين التعارض والتزاحم
فيه بيد المولى، فهو خارج عن محلّ الكلام، وإنّما المراد من التزاحم في ما نحن فيه هو تزاحم الأحكام في مقام الامتثال بأن توجّه إلى المكلّف تكليفان لا يقدر على الجمع بينهما، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في الأرض المغصوبة، أو كان هناك غريقان لا يقدر المكلّف إلّا على إنقاذ أحدهما.
والفرق بين هذا النوع من التزاحم وبين التعارض يتلخّص في أمرين:
١- علم المكلّف بكذب أحد الدليلين في باب التعارض مع علمه بصدقهما في باب التزاحم.
٢- التعارض إنّما هو بين الدليلين وفي مقام الإثبات، أي مقام الدلالة والكشف عن الواقع، وبتعبير آخر: التعارض إنّما هو بين محتواهما في مقام الإثبات، فيكون أحدهما صادقاً في كشفه والآخر كاذباً.
وأمّا التزاحم فيقع بين الحكمين المدلولين الواقعيين من ناحية الامتثال بعد الفراغ عن تمامية دليلهما وصدق كليهما، ولذلك يكون المرجّحات في التعارض بما يرجع إلى الدلالة والسند وشبههما، وفي التزاحم باقوائية الملاك وأهميّة أحد الحكمين بالنسبة إلى الحكم الآخر.
نعم، قد يكون التزاحم سبباً للتعارض، وهو فيما إذا كان كلّ واحد من المتزاحمين ظاهراً في الفعليّة، فيقع التعارض حينئذٍ بين مدلوليهما للعلم بكذب أحدهما كما لا يخفى.
وقد ظهر بما ذكرنا أوّلًا: أنّ الترجيح أو التخيير في باب التزاحم عقلي، لأنّ العقل يحكم بترجيح أقوى الملاكين على الآخر، ويحكم بالتخيير في المتساويين من ناحية الملاك، بخلاف باب التعارض حيث إنّ العقل يقضي بالتساقط فيه، ويكون الحكم بالتخيير أو بترجيح ما وافق كتاب اللَّه وطرح ما خالفه مثلًا، شرعياً وتعبّدياً، نعم لو صارت المرجّحات موجبة لتمييز الحجّة عن اللّاحجّة فيحكم العقل حينئذٍ بترجيح الحجّة فيكون الترجيح عقلياً، ولكنّه خارج عن باب التعارض لأنّه عبارة عن التنافي بين الحجّتين.
وثانياً: أنّ الحكم الأوّلي ومقتضى الأصل والقاعدة الأوّليّة في باب التعارض هو التساقط إلّاأن يدلّ دليل شرعي تعبّدي على الترجيح أو التخيير.