أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨ - الأمر الخامس هل الاستصحاب من الاصول أو الأمارات؟
مقام العمل، فالفرق بينهما إنّما هو في مقام علّة الحجّية فحسب.
إذا عرفت هذا فنقول: الظاهر أنّ التفصيل المزبور من الشيخ الأعظم رحمه الله في غيره محلّه لأنّ للعقلاء أيضاً اصولًا وأمارات فإنّهم يجرّون البراءة مثلًا في الأحكام الجارية بين الموالي وعبيدهم وبين الحكّام ورعاياهم والرؤساء والمرؤوسين، وفي الموضوعات في الجرائم والمسائل الحقوقيّة، مع أنّه لا نزاع في أنّ البراءة من الاصول العمليّة، فمجرّد كون الدليل بناء العقلاء لا يكون دليلًا على الأمارية بل يوافق كون المورد أصلًا أو أمارة، فلابدّ إذن من ملاحظة كيفية بناء العقلاء وخصوصيته حتّى يتبيّن أنّ نظرهم هل هو إلى جهة الكشف حتّى يكون المورد أمارة، أو إلى مجرّد رفع الحيرة حتّى يكون المورد من الاصول؟ وسيأتي بيان هذا بالنسبة إلى الاستصحاب فانتظر.
بقي هنا شيء:
وهو أنّ المحقّق النائيني رحمه الله فرّق في الاصول العمليّة بين المحرزة منها وغير المحرزة وقال:
ليس معنى الأصل المحرز كونه طريقاً إلى المؤدّي، بل معناه هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر، فالمجعول في الأصل المحرز هو الجهة الثالثة من العلم الطريقي، وهى الحركة والجري العملي نحو المعلوم، فالإحراز في باب الاصول المحرزة غير الإحراز في باب الأمارات، فإنّ الإحراز في باب الأمارات هى إحراز الواقع مع قطع النظر عن مقام العمل، وأمّا الإحراز في باب الاصول المحرزة فهو الإحراز العملي في مقام تطبيق العمل على المؤدّي، فالفرق بين الإحرازين ممّا لا يكاد يخفى. وأمّا الاصول غير المحرزة فالمجعول فيها مجرّد التطبيق العملي على أحد طرفي الشكّ من دون البناء على أنّه هو الواقع، فهو لا يقتضي أزيد من تنجيز الواقع عند المصادفة والمعذورية عند المخالفة، وهو الذي كان يقتضيه العلم من الجهة الرابعة. (انتهى) [١].
أقول: هذا التقسيم ممّا لا محصّل له، لأنّ حجّية الاستصحاب إمّا أن تكون ناشئة عن كشفه للواقع أو لا، فعلى الأوّل يكون أمارة لا أصلًا، وعلى الثاني يكون أصلًا لا أمارة، وليس
[١] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٤٨٦، طبع جماعة المدرّسين.