أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - الأمر الخامس هل الاستصحاب من الاصول أو الأمارات؟
كونه من أحكام العقل يعني به ما استقرّ عليه بناء العقلاء فهو دليل ظنّي اجتهادي نظير القياس والاستقراء على القول بهما، وحيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل ذكرناه في الاصول العمليّة المقرّرة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم، لكن ظاهر كلمات الأكثر كالشيخ والسيّدين والفاضلين والشهيدين وصاحب المعالم كونه حكماً عقليّاً، ولذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر الأخبار (انتهى).
فيظهر من صريح كلامه أنّ الاستصحاب عنده من الاصول إن كان الدليل عليه هو الأخبار، ومن الأمارات إن كان الدليل عليه هو العقل، وإنّ مختاره هو الأوّل، لكن لابدّ قبل تعيين ما هو الصحيح في المسألة من بيان الفرق بين الأمارة والأصل العملي.
فنقول: المعروف فيه أنّ الأصل ما أخذ في موضوعه الشكّ، وأنّ الأمارة ما يكون طريقاً إلى الواقع من دون أخذ الشكّ في موضوعه.
وذكر بعض أنّ الأصل ما يكون الشكّ مأخوذاً في موضوعه، وأنّ الأمارة ما يكون الشكّ مأخوذاً في مورده.
والحقّ هو أنّ الشكّ مأخوذ في موضوع كلّ من الأصل والأمارة من دون فرق بين الموضوع والمورد، والشاهد عليه قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَاتَعْلَمُونَ»، الوارد في حجّية الرجوع إلى أهل الخبرة، حيث إنّ «لا تعلمون» يساوق معنى الشكّ، ولا كلام في أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة من الأمارات، بل لا معنى لنفي الشكّ عن موضوع الأمارات فإنّها على كلّ حال واردة في ظرف الشكّ ومقيّدة به، سواء ورد التصريح به في العبارة أو لم يرد، والفرق بين المورد والموضوع لا معنى محصّل له.
بل الصحيح في الفرق بينهما أنّ الأمارة ما تكشف عن الواقع في الجملة، ولأجل ذلك جعلت لها الحجّية عند الشرع أو العقلاء من أهل العرف فصار كشفها الناقص بمنزلة الكشف التامّ، وأمّا الأصل فليس له كشف عن الواقع بل هو حكم جعل لمجرّد رفع الحيرة والترديد في مقام العمل، سواء كان الدليل عليه العقل أو النقل.
وإن شئت قلت: إنّ هنا موضوعاً وحكماً وعلّة للحكم، فالموضوع في كلٍّ من الأمارات والاصول هو الشكّ بالمعنى الأعمّ من الظنّ، كما أنّ الحكم في كليهما هو الحجّية، ولكن العلّة في الأمارات هى الكاشفيّة عن الواقع في الجملة، بينما العلّة في الاصول هى مجرّد رفع الحيرة في