أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله وحاصله: أنّ الحكم بالصحّة هنا يكون من باب تعدّد المطلوب ففي مورد الجهر والإخفات يكون أصل الصّلاة وذاتها مطلوبة وإتيانها بالجهر أو الإخفات مطلوباً آخر، وفي مورد الإتمام في موضع القصر تكون الصّلاة التامّة مشتملة على مصلحة لازمة الاستيفاء بحيث لو لم تجب صلاة القصر كانت الصّلاة التامّة مأموراً بها، لكن لمّا كانت مصلحة صلاة القصر أهمّ صارت هى الواجبة فعلًا، وحينئذٍ تكون صحّة الصّلاة المأتي بها مستندة إلى المصلحة لا إلى الأمر الفعلي حتّى يقال بأنّها ليست مأموراً بها، (وأمّا استحقاقه للعقوبة مع فرض الصحّة فلعصيانه الأمر بالأهمّ أو المطلوب الأعلى).
وأمّا عدم وجوب الإعادة فلأنّها لا فائدة فيها إذ لا مصلحة تقتضي الإعادة، حيث إنّ المصلحة التامّة الكامنة في صلاة القصر مثلًا قد فاتت بسبب الإتيان بالصلاة التامّة، لمكان التضادّ بين المصلحتين، وهذا نظير ما إذا أمر المولى عبده بإطعام الفقير بالخبز من الحنطة فأطعمه بالخبز من الشعير فإنّ مصلحة الإطعام بالخبز من الحنطة قد فاتت بإطعامه الخبز من الشعير، ويمتنع تداركها لعدم بقاء الموضوع.
لا يقال: فيلزم الحكم بصحّة صلاة التمام من العالم بوجوب القصر أيضاً مع استحقاقه العقوبة على مخالفة الواجب.
فإنّه يقال: إنّه لو كان الدليل اشتمال المأتي به على المصلحة اطلاق يشمل صورتي العلم بوجوب القصر والجهل به لقلنا بصحّة التمام وإجزائه عن القصر مطلقاً، لكن الأمر ليس كذلك، لأنّه لم يدلّ دليل على كون التمام ذا مصلحة في السفر إلّافي حال الجهل، ولا بُعد أصلًا في هذا الاختلاف، فإنّ لحالات المكلّف دخلًا في المصالح والمفاسد الداعية إلى تشريع الأحكام.
إن قلت: كيف يتمشّى من المكلّف قصد القربة مع عدم كون التمام مأموراً به؟
قلنا: لا حاجة في تحقّق قصد القربة إلى قصد الأمر بل يكفي قصد الملاك والمصلحة، وقد مرّ كون الصّلاة التامّة أيضاً محبوبة وذات مصلحة).
إن قلت: على هذا يكون كلّ من التمام والإخفات مثلًا سبباً لتفويت الواجب الفعلي، وما هو السبب لتفويت الواجب فعلًا حرام، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.
قلت: إنّ التمام مثلًا ليس سبباً لترك الواجب الفعلي وهو القصر، بل التمام والقصر ضدّان، وهما في رتبة واحدة، فعدم كلّ منهما يكون أيضاً في رتبة وجود الآخر لا في طوله حتّى يصير