الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - أوّل لقاء مع الحبيب
و واضح أنّ تعابير مثل «فكان قاب قوسين أو أدنى» و أمثال ذلك إنّما هو كناية عن شدّة القرب، و إلّا فإنّ اللّه ليس بينه و بين عبده فاصلة مكانية لتقاس بالقوس أو الذراع، و «الرؤية» في الآيات- هنا- ليست رؤية بصرية أيضا، بل الباطنية القلبية.
و في البحوث السابقة في تفسير «لقاء اللّه» الوارد في آيات متعدّدة على أنّه من ميزات يوم القيامة مرارا قلنا إنّ هذا اللقاء على خلاف ما يتصوّر أصحاب الأفكار القصيرة، و العقول الضيّقة بأنّه لقاء حسّي و مادّي، بل هو نوع من الشهود الباطني و إن كان في المراحل الدنيا و لا يصل إلى مراحل لقاء الأنبياء و الأولياء للّه، فكيف بمرحلة شهود النّبي الكامل ليلة المعراج!! و مع ملاحظة هذا التوضيح تزول الإشكالات على هذا التّفسير، و إذا روعيت بعض التعابير المخالفة للظاهر فلم تعامل بالمنطق الضيق و فسّرت بما وراء المسائل المادية فما يرد من إشكالات على هذا التّفسير لا يعدّ شيئا مهمّا بالقياس إلى ما يرد من إشكالات على التّفسير الأوّل ..
فمع الالتفات إلى ما قلناه نمرّ مرورا جديدا على الآيات محلّ البحث و نعالج مضمونها من هذا المنطلق و المنظار! فعلى هذا التّفسير يبيّن القرآن نزول الوحي على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالصورة التالية.
إنّ اللّه الذي هو شديد القوى علّم النّبي في وقت بلغ حدّ الكمال و الاعتدال في الأفق الأعلى [١].
ثمّ قرب و صار أكثر اقترابا حتّى كان بينه و بين اللّه مقدار قاب قوسين أو أقل و هناك أوحى اللّه إليه ما أوحاه.
و حيث أنّ هذا اللقاء الباطني يصعب تصوّره لدى البعض، فانّه يؤكّد أنّ ما رآه
[١]- الضمير في: فاستوى و الضمير في: و هو بالأفق الأعلى يمكن أن يعودا على شخص النبي، كما يمكن أن يعودا على ذات اللّه المقدّسة.