الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - ادخلوا الجنّة أيّها المتّقون!
الجنّة، كما أنّ هذه الآيات تبيّن صفات أهل الجنّة لتتّضح الحقائق أكثر بهذه المقارنة ما بين أهل النار و أهل الجنّة.
فتبدأ الآيات بالقول: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ.
«أزلفت»: من مادّة زلفى- على زنة كبرى- و معناها القرب، أي قرّبت.
و الطريف هنا أنّ القرآن لا يقول: و قرّب المتّقين إلى الجنّة، بل يقول و أزلفت أي و قرّبت الجنّة للمتّقين، و هذا أمر لا يمكن أن يتصوّر تبعا للظروف الدنيوية و شروطها، و لكن حيث إنّ الأصول الحاكمة على العالم الآخر تختلف اختلافا بالغا عمّا هي في هذه الدنيا، فلا ينبغي التعجّب إطلاقا أن يقرّب اللّه الجنّة للمتّقين بمنتهى التكريم بدلا من أن يذهبوا هم إليها.
كما أنّنا نقرأ في الآيتين (٩٠) و ٩١) من سورة الشعراء: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ.
و هذا منتهى اللطف الإلهي لعباده المؤمنين حيث لا يتصوّر فوقه لطف آخر!.
و التعبير ب غَيْرَ بَعِيدٍ [١] تأكيد على هذا المعنى أيضا.
و على كلّ حال، فمفهوم الآية أنّ هذه القضيّة تقع في القيامة رغم أنّه عبّر عنها بالماضي «أزلفت» لكن الحوادث المستقبلية القطعية كثيرا ما يعبّر عنها بالماضي- لأنّ وقوعها سيتحقّق حتما-.
و قيل: إنّ إزلاف الجنّة للمتّقين يتحقّق في الدنيا، لأنّه لا يفصلهم شيء عن الجنّة و التعبير بالماضي يراد به الماضي حقيقة. و عند الموت سيجدون أنفسهم في الجنّة. لكن مع ملاحظة الآيات السابقة و اللاحقة التي تتحدّث عن مشاهد القيامة يبدو أنّ هذا المعنى بعيد، و المناسب هو التّفسير الأوّل.
ثمّ تبيّن الآيات أوصاف أهل الجنّة فتقول: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ.
[١]- غير بعيد فيها ثلاثة أوجه إعرابية، فيحتمل أن تكون ظرفا، كما يحتمل أن تكون حالا، و يحتمل أن تكون صفة لمحذوف تقديره إزلافا غير بعيد.