الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - هل أنتم أفضل من الأقوام السابقة؟!
إنّ الإنسان إذا كان صادقا في البحث عن الحقيقة فانّه يكفيه أن يرى واحدة منها، و خاصّة تلك التي يسبقها إنذار، ثمّ بلاء، ثمّ زوال هذا البلاء عند دعاء النّبي الإلهي، و لكن العناد، و الإصرار على الباطل و الغرور إذا ركب الإنسان، فحتّى لو أصبحت جميع السماء و الأرض آيات للّه، فلن تكون ذات تأثير على أمثال هؤلاء، و الجواب الحاسم المناسب لهم هو العذاب الإلهي الذي يقضي على النزعات الشريرة و النفوس المريضة التي يملؤها الهوى و الغرور. كما قال تعالى:
فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ تكملة للآية مورد البحث.
«أخذ» في الأصل بمعنى تناول الشيء و أخذه باليد، و لكون المجرم يؤخذ قبل أن يعاقب، لذا فإنّها تستعمل كناية عن المجازاة.
و التعبير الآخر الذي أتى في آخر هذه القصّة لا يوجد له شبه في التعابير المماثلة في القصص الاخرى، و ذلك لأنّ الفراعنة كانوا يتباهون بقوّتهم و سطوتهم و عزّهم أكثر من بقيّة الأمم، و الحديث عن قوّة سلطانهم كان في كلّ مكان. يقول اللّه تعالى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ و ذلك كي يكون واضحا للجميع أنّ القوّة الحقيقة هي للّه وحده، لأنّ كلّ قوّة و عزّة اخرى غير قوّته و ما يتّصل بذاته وهميّة لا تساوي شيئا في قبال عزّته و قدرته ... و العجيب أنّ نهر النيل العظيم الذي كان مصدر خير و ثروة لهم، هو الذي أمر بالانتقام منهم، و الأعجب من ذلك أنّ أضعف المخلوقات سلّطت عليهم كالجراد و الضفادع و القمل فجعلتهم في حالة عجز و مسكنة لا يقدرون على دفعها، و هم الذين كانوا من السطوة و القوّة موضع حديث أهل زمانهم:
و بعد بيان هذه المشاهد المؤثّرة من قصص الأقوام المنصرمة و العذاب الإلهي العظيم الذي حلّ بهؤلاء الجبابرة المتمردّين على الحقّ، يخاطب اللّه سبحانه في الآية اللاحقة مشركي مكّة بقوله تعالى: أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي