الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - القيامة- و البصر الحديد
ثمّ يضيف القرآن في ذيل الآية قائلا: ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [١] أجل إنّ الموت حقيقة يهرب منها أغلب الناس لأنّهم يحسبونه فناء لا نافذة إلى عالم البقاء، أو أنّهم لعلائقهم و ارتباطاتهم الشديدة بالدنيا و المواهب المادية التي لهم فيها لا يستطيعون أن يصرفوا قلوبهم عنها، أو لسواد صحيفة أعمالهم.
أيّا كان فهم منه يهربون .. و لكن ما ينفعهم و مصيرهم المحتوم في انتظار الجميع و لا مفرّ لأحد منه، و لا بدّ أن ينزلوا إلى حفرة الموت و يقال لهم هذا ما كنتم منه تفرّون!!.
و قائل هذا الكلام ربّما هو اللّه أو الملائكة أو الضمائر اليقظة أو الجميع!.
و القرآن بيّن هذه الحقيقة في آيات أخر كما هو في الآية (٧٨) من سورة النساء إذ يقول: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ!.
و قد ينسى الإنسان المغرور جميع الحقائق التي يراها بامّ عينيه على أثر حبّ الدنيا و حبّ الذات حتّى يبلغ درجة يقسم فيها أنّه خالد كما يقول القرآن في هذا الصدد: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ.
و لكن سواء أقسم أم لم يقسم، و صدّق أم لم يصدّق فإنّ الموت حقيقة تحدق بالجميع و تحيق بهم و لا مفرّ لهم منها.
ثمّ يتحدّث القرآن عن النفخ في الصور فيقول: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ.
و المراد من «النفخ في الصور» هنا هو النفخة الثانية، لأنّه كما نوّهنا آنفا فإنّ الصور ينفخ فيه مرّتين: فالنفخة الاولى تدعى بنفخة الفزع أو الصعق و هي التي تكون في نهاية الدنيا و يموت عند سماعها جميع الخلق و يتلاشى نظام العالم الدنيوي، و النفخة الثانية هي نفخة «القيام و الجمع و الحضور» و تكون في بداية
[١]- كلمة تحيد مشتقّة من مادّة حيد- على وزن صيد- و معناها العدول عن الشيء و الفرار منه.