الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣١ - ٥- جانب من إيحاءات اللّه و كلماته لرسوله في ليلة المعراج
كثير نفعهم، الناس منهم في راحة و أنفسهم منهم في تعب كلامهم موزون، محاسبين لأنفسهم، متعبين لها، تنام أعينهم و لا تنام قلوبهم أعينهم باكية و قلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس في الغافلين كتبوا من الذاكرين، في أوّل النعمة يحمدون و في آخرها يشكرون دعاؤهم عند اللّه مرفوع، و كلامهم مسموع، تفرح الملائكة بهم، الناس (الغفلة) عندهم موتى و اللّه عندهم حي قيّوم «و همّتهم عالية فلا ينظرون إلّا إليه» قد صارت الدنيا و الآخرة عندهم واحدة يموت الناس مرّة و يموت أحدهم في اليوم سبعين مرّة «و يحيا حياة جديدة» من مجاهدة أنفسهم و مخالفة هواهم.
و إن قاموا بين يدي كأنّهم البنيان المرصوص لا أرى في قلبهم شغلا لمخلوق ... فوعزّتي و جلالي لأحيينّهم حياة طيبة إذا فارقت أرواحهم أبدانهم و لا أسلّط عليهم ملك الموت و لا يلي قبض روحهم غيري و لأفتحنّ لروحهم أبواب السماء كلّها و لأرفعنّ الحجب كلّها دوني، و لآمرنّ الجنان فلتزيننّ.
يا أحمد إنّ العبادة عشرة أجزاء تسعة منها طلب الحلال فإذا طيّبت مطعمك و مشربك فأنت في حفظي و كنفي.
و جاء في مكان آخر منه:
يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهنا و أيّ أبقى؟ قال اللهمّ لا، قال: أمّا العيش الهنيء فهو الذي لا يغترّ صاحبه عن ذكري و لا ينسى نعمتي و لا يجهل حقّي، يطلب رضاي في ليله و نهاره.
و أمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا و تصغر في عينه و تعظم الآخرة عنده و يؤثر هواي على هواه و يبتغي مرضاتي و يعظّم حقّ عظمتي و يذكر علمي به و يراقبني بالليل و النهار عند كلّ سيّئة أو معصية و ينقّي قلبه عن كلّ ما أكره و يبغض الشيطان و وساوسه و لا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا ... فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّا حتّى أجعل قلبه لي و فراغه و اشتغاله و همّه و حديثه من النعمة التي أنعمت على أهل محبّتي من خلقي .. و افتح عين قلبه