الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - في دوّامة البلاء!
يشعّ من أعماق روحه و فطرته، فيزيح عن قلبه حجب الغفلة، و يقول له: هل يوجد أحد يستطيع إنقاذك؟
نعم، إنّه الذي تطيع أوامره أمواج البحر .. أنّه خالق الماء و الهواء و التراب.
هنا يحيط التوحيد الخالص بكلّ قلبه و يغمره، و يعتقد بأنّ الدين و العبادة مختصّة به سبحانه.
ثمّ تضيف الآية إنّ اللّه سبحانه لمّا نجّاهم من الهلكة انقسم الناس قسمين: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [١]. و هؤلاء وفوا بعهدهم و لم ينقضوه، و لم ينسوا منّة اللّه عليهم في تلك اللحظات الحسّاسة.
أمّا القسم الثّاني فإنّهم نسوا كلّ ذلك، و استولى جيش الشرك و الكفر على معسكر قلوبهم.
و اعتبر بعض المفسّرين الآية أعلاه إشارة إلى إسلام «عكرمة بن أبي جهل»، إذ أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله عفا عن جميع الناس عند فتح مكّة غير أربعة نفر أحدهم عكرمة بن أبي جهل، إذ أهدر دمهم، و أمر بقتلهم حيثما وجدوا، لأنّهم لم يتركوا أيّ سيّئة أو جريمة ضدّ الإسلام و المسلمين إلّا عملوها، و لذلك اضطرّ عكرمة إلى الفرار من مكّة، فتوجّه إلى البحر الأحمر و ركب السفينة، فأخذت بأطرافه ريح عاصف، فقال بعض أهل السفينة لبعضهم الآخر: تعالوا نترك الأصنام و نتضرّع إلى اللّه وحده و نسأله لطفه، فإنّ آلهتنا هذه لا تنفع شيئا! فقال عكرمة: إذا لم ينقذنا غير توحيدنا في البحر، فلن ينقذنا في البرّ سواه أيضا، اللهمّ إنّ أعطيك عهدا- إذا نجّيتني من هذه المحنة- لآتينّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و أبايعه، فإنّي أعلم أنّه كريم عفوّ.
و أخيرا نجا، و أتى إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله [٢].
[١] «مقتصد» من مادّة قصد، بمعنى الاعتدال في العمل، و الوفاء بالعهد.
[٢] مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث، و وردت هذه الحادثة في (اسد الغابة في معرفة الصحابة) ج ٤، صفحة ٥ بتفاوت