الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠١ - المواهب الإلهية العظيمة لداود
الإنسان تقديم هذه الخدمة، و تأمين معاشه- في حال الاستطاعة- من كدّ يمينه، و داود عليه السّلام أراد أن يكون ذلك العبد الممتاز.
على كلّ حال، فإنّ داود وجّه هذه القدرة التي و هبها إيّاه اللّه في أفضل الطرق و هي صناعة وسائل الجهاد و الدفاع ضدّ الأعداء، و لم يحاول الاستفادة منها في صناعة وسائل الحياة العادية، و علاوة على الاستفادة من دخله منها في تصريف امور حياته المعاشية البسيطة، فقد هيّأ جزءا منه للإنفاق على المحتاجين [١]. و فوق كلّ هذا، فقد كان عمله بحدّ ذاته معجزة ارتبطت به.
نقل بعض المفسّرين قال «حكي أنّ لقمان حضر داود عند أوّل درع عملها فجعل يتفكّر فيها و لا يدري ما يريد، و لم يسأله حتّى فرغ منها ثمّ قام فلبسها و قال: نعم جنة الحرب هذه. فقال لقمان: الصمت حكمة و قليل فاعله!» [٢].
الآية التي بعدها تتعرّض لشرح صناعة داود للدروع و الأمر الإلهي العميق المعنى بهذا الخصوص. يقول تعالى: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ.
«سابغات»: جمع (سابغ) و هو الدرع التامّ الواسع، و «إسباغ النعمة» أيضا بمعنى توسيعها.
«سرد»: في الأصل بمعنى حياكة ما يخشن و يغلظ كنسج الدرع و خرز الجلد، و استعير لنظم الحديد. و جملة وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ معناها مراعاة المقاييس المتناسبة في حلقات الدرع و طريقة نسجها. و في الواقع فإنّ اللّه تعالى قد أمر داود بأن يكون مثالا يحتذى لكل الحرفيين و العمّال المؤمنين في العالم، بمراعاته للإتقان و الدقّة في العمل من حيث الكمّ و الكيف في المصنوعات، ليستطيع بالتالي مستهلكوها استعمالها براحة و بشكل جيّد، و الإفادة من متانتها.
يقول تعالى لداود: أن اصنع الدروع واسعة و مريحة، حتّى لا تكون سجنا
[١] راجع تفسير أبو الفتوح الرازي، ج ٩، ص ١٩٢.
[٢] مجمع البيان، ج ٨، ص ٣٨٢.