الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - ميثاق اللّه الغليظ
العزم، و على رأسهم نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و آله لعظمته و جلالته و شرفه، و بعده الأنبياء الأربعة من أولي العزم حسب ترتيب ظهورهم، و هم: «نوح و إبراهيم و موسى و عيسى» عليهم السّلام.
و هذا يوحي بأنّ الميثاق المذكور كان ميثاقا عامّا أخذ من جميع الأنبياء، و إن كان أولو العزم متعهّدين بذلك الميثاق و مسئولين عنه بصورة أشدّ. ذلك الميثاق الذي بيّن بتأكيد شديد جدّا بجملة: وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [١].
المهمّ أن نعلم أيّ ميثاق هذا الذي أخذ من كلّ الأنبياء؟! للمفسّرين هنا أقوال مختلفة يمكن القول أنّها جميعا فروع مختلفة لأصل واحد، و هو تأدية مسئولية التبليغ و الرسالة و القيادة و هداية الناس في كلّ الأبعاد و المجالات.
إنّ الأنبياء كانوا مكلّفين جميعا بدعوة كلّ البشر إلى التوحيد قبل كلّ شيء، و كانوا مكلّفين أيضا بأن يؤيّد بعضهم بعضا، كما أنّ الأنبياء اللاحقين يصدّقون و يؤكّدون صحّة دعوة الأنبياء السابقين. و الخلاصة: أن تكون الدعوة إلى جهة واحدة، و أن يبلغ الجميع حقيقة واحدة، و يوحّدوا الأمم تحت راية واحدة.
و يمكن ملاحظة الشاهد على هذا الكلام في سائر آيات القرآن أيضا، فنقرأ في الآية (٨١) من سورة آل عمران: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
و ورد نظير هذا المعنى في الآية (١٨٧) من سورة آل عمران، حيث تقول بصراحة: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ و على هذا فإنّ اللّه سبحانه قد أخذ الميثاق المؤكّد من الأنبياء بأن يدعوا الناس إلى توحيد اللّه، و توحيد دين الحقّ و الأديان السماوية، و كذلك أخذه من علماء أهل
[١] الميثاق- كما يقول الراغب في مفرداته- هو العقد المؤكّد بيمين و عهد، و بناء على هذا فإن ذكر (غليظا) في الآية تأكيد يضاف على هذا المعنى.