الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - عظمة القرآن، و المبدأ و المعاد
و لقد بحثنا بصورة مفصّلة في بداية سورة البقرة، و آل عمران و الأعراف التفاسير المختلفة لهذه الحروف. و البحث الذي جاء بعد هذه الحروف مباشرة حول أهميّة القرآن يبيّن مرّة اخرى هذه الحقيقة، و هي أنّ الم إشارة إلى عظمة القرآن، و القدرة على إظهار عظمة اللّه سبحانه، و هذا الكتاب العظيم الغنيّ المحتوى، و الذي هو معجزة محمّد صلّى اللّه عليه و آله الخالدة يتكوّن من حروف المعجم البسيطة التي يعرفها الجميع.
تقول الآية: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [١]. هذه الآية- في الواقع- جواب عن سؤالين: الأوّل عن محتوى هذا الكتاب السماوي، فتقول في الجواب: إنّ محتواه حقّ و لا مجال لأدنى شكّ فيه. و السؤال الثّاني يدور حول مبدع هذا الكتاب، و في الجواب تقول: إنّ هذا الكتاب من قبل ربّ العالمين.
و يحتمل في التّفسير أيضا أنّ جملة مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ جاءت دليلا و برهانا لجملة لا رَيْبَ فِيهِ، فكأنّ سائلا يسأل: ما هو الدليل على أنّ هذا الكتاب حقّ، و لا مجال للشكّ فيه؟ فتقول: الدليل هو أنّه من ربّ العالمين الذي يصدر منه كلّ حقّ و حقيقة.
ثمّ إنّ التأكيد على صفة رَبِّ الْعالَمِينَ من بين صفات اللّه سبحانه قد يكون إشارة إلى أنّ هذا الكتاب مجموعة من عجائب عالم الخلقة، و عصارة حقائق عالم الوجود، لأنّه من ربّ العالمين.
و ينبغي الالتفات أيضا إلى أنّ القرآن لا يريد هنا الاكتفاء بالادّعاء الصرف، بل يريد أن يقول: إنّ الشيء الظاهر للعيان لا يحتاج إلى البيان، فإنّ محتوى هذا
[١]- «تنزيل الكتاب» خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) و جملة لا رَيْبَ فِيهِ صفته، و (من ربّ العالمين) صفة اخرى.
و احتمل البعض أن تكون الجمل الثلاث أخبارا متعاقبة. إلّا أنّ المعنى الأوّل أنسب. و على كلّ حال فإنّ (تنزيل) مصدر جاء بمعنى اسم المفعول، و إضافته إلى الكتاب من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف. و يحتمل أيضا أن يكون المصدر بمعناه الأصلي و يؤدّي معنى المبالغة.