الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٤ - الدين أصل التحوّلات
و الجواب على مثل الكلام مرّ في محلّه، و لسنا هنا في معرض سرد الردود جميعا، و لكن الآيات التي نحن بصددها تدعو الإنسان إلى التفكّر و التدبّر، و اعتبرت طريق التفكّر هو الأساس لتطور و تكامل البشرية.
كيف يمكن أن يكون الإسلام داعية لتخدير أفكار الناس، أو أنّه نشأ بفعل جهل البشر بالعوامل الطبيعيّة، و يدعو الناس إلى النهضة و التفكّر و العيش بصفاء في محيط بعيد عن الضوضاء و الضجيج الإعلامي المسموم، بعيدا عن التعصّب و العناد؟! هل يمكن اتّهام الدين الذي يدعو الناس لمثل هذه الأفكار بكونه أفيون الشعب، أو عامل تخدير لها؟! و يمكن هنا القول: إنّ على الإنسان أن لا يفكّر لوحده و بشكل انفرادي، بل عليه مشاورة الآخرين و أن تتعاضد آراؤه معهم، لسماع دعوة الأنبياء الصادقة، و مطالعة الدلائل و الآيات التي جاؤوا بها .. عند ذلك يمكن للإنسان الإذعان للحقّ.
إنّ الأحداث التي مرّت في عصرنا الحالي سيّما نهضة المسلمين الثوريين في مختلف البلدان الإسلامية بوجه القوى الكبرى و عملائها في الشرق و الغرب، و التي جعلت الدنيا ظلاما دامسا في وجوههم، و هزّت كياناتهم، تشير جميعا إلى أنّ الخطر الكبير الذي يتهدّد هذه القوى هو العقائد الدينية الأصلية، و من هنا يفهم هدف الاتّهامات الموجّهة ضدّ العقائد الدينية.
و ممّا يثير العجب و الغرابة أنّ علماء الاجتماع في الغرب قالوا بعدم وجود عالم ما وراء الطبيعة، و اعتبروا الدين ظاهرة من صنع البشر، كما قالوا بوجود عوامل مختلفة لنشوء الدين، كالعامل الاقتصادي، و خوف الإنسان، و عدم اطّلاعه، و العقد النفسية ... إلخ!! كما أنّهم غير مستعدّين للتفكّر و لو للحظة واحدة بعالم ما وراء الطبيعة و بالدلائل المدهشة و الواضحة لتوحيد الخالق جلّ و علا، و العلامات الصريحة لنبوّة الأنبياء كنبيّنا الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و غير مستعدّين أيضا للتنصّل عن أحكامهم التي أثبتت فشلها.
لا يمكن أن نماثل بين هؤلاء و بين مشركي عصر الجاهلية بالتعصّب و العناد و عدم الاطّلاع، نعم، هؤلاء متعصّبون و معاندون و لكنّهم مطّلعون، و لهذا فهم أكثر خطرا و ضلالة من مشركي عصر الجاهلية.
و ممّا يجدر ذكره أنّ ذيل أكثر الآيات القرآنية يدعو الإنسان إلى التفكّر و التعقّل و التذكّر: فأحيانا تقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (النحل- ١١ و ٦٩) و اخرى تقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الرعد- ٣، و الزمر- ٤٢، و الجاثية- ١٣) و ثالثة تقول: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الحشر- ٢١، و الأعراف- ١٧٦)، و أحيانا تطرح الآيات القرآنية نفس المفهوم وجها لوجه كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (البقرة- ٢١٩ و ٢٦٦).
و قد ورد في القرآن الكريم الكثير من هذا القبيل، منه الدعوة إلى الفقه- أي الفهم- و الدعوة إلى العقل و التعقّل، و مدح الناس المتعلّقين، و الندم الشديد لأولئك المتعصّبين، و قد جاء ذلك في (٤٦) آية من آيات القرآن المجيد، و قد قال الكثير من العلماء: إنّنا لو أردنا جمع هذه الآيات و تفسيرها لاحتجنا إلى كتاب مستقل.