الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩ - نفور المعبودين من عابديهم
و لا يريد جزاء على ما يعطيه لأنّه غني بذاته. و يعطي ابتداء، لأنّه حكيم و عالم بكلّ شيء. بل الحقيقة أنّه ليس من رزّاق غيره، لأنّ أي معط إنّما يعطي ممّا رزقه اللّه، و بذا فهو ليس سوى «واسطة انتقال» لا رزّاقا.
و كذلك فهو تعالى يعطي النعم الباقية قبال المال الفاني، و الكثير مقابل القليل.
و لأنّ فريقا من الأثرياء الظالمين الطغاة كانوا في صفّ المشركين، و ادّعوا بأنّهم يعبدون الملائكة و أنّهم شفعاؤهم يوم القيامة، فقد ردّ القرآن على هذا الادّعاء الباطل فقال: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ.
بديهي أنّ هذا السؤال ليس من باب الاستفهام عن الجواب، لأنّ اللّه تعالى عالم بكلّ شيء، و لكن الهدف هو أن تظهر الحقائق من إجابة الملائكة، لكي يخسأ هؤلاء الضالّون و يخيب ظنّهم، و يعلموا بأنّ الملائكة متنفّرين من أعمالهم، فيصيبهم اليأس إلى الأبد.
ذكر (الملائكة) من بين المعبودات التي كان المشركون يعبدونها، إمّا لأنّ الملائكة أشرف المخلوقات التي عبدها الضالّون، و التي لم يحصلوا على شفاعتها يوم القيامة، فما ذا يستطيعون الحصول عليه من حفنة من الحجر أو الأخشاب أو الجنّ أو الشياطين!؟
أو أنّه من قبيل أنّ عبدة الأوثان كانوا يعتقدون بأنّ الأحجار و الأخشاب هي مظهر و نموذج لموجودات علوية (كالملائكة و أرواح الأنبياء)، و لذا عبدوها.
فكما ورد في تاريخ الوثنية عند العرب «إنّ سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب، هو أنّ «عمرو بن لحي» مرّ بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له: هذه أرباب نتّخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصر بها و نستسقي.
فتبعهم و أتى بصنم معه إلى الحجاز و سوّل للعرب فعبدوه و استمرّت عبادة الأصنام