الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - لا أحد مجبر على اتّباع الشّيطان
حديثه هذا تخمينا و توقّعا، و لكن هذا التخمين أصبح واقعا في النتيجة. و اتّبعه ضعفاء الإيمان و الإرادة و سقطوا في فخاخه زرافات و وحدانا، إلّا مجموعة صغيرة من المؤمنين استطاعت تحطيم سلاسل الوساوس الشيطانية، و تفادت الوقوع في مصيدته، جاءوا أحرارا و عاشوا أحرارا و رحلوا أحرارا، و مع أنّهم كانوا قلّة من حيث العدد، إلّا أنّ كلّ واحد منهم كان يعدل دنيا بأسرها من حيث القيمة المعنوية
«أولئك هم الأقلّون عددا و الأكثرون عند اللّه قدرا» [١].
و تشير الآية التالية إلى مطلبين فيما يخصّ الوساوس الشيطانية، و الأشخاص الذين يقعون تحت سلطته، و الأشخاص الذين ليس له عليهم سلطان، فتقول الآية المباركة: وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ.
إذن فنحن الذين نجيز له الدخول و نعطيه تأشيرة العبور من حدود دولة الفردية إلى داخل قلوبنا. و ذلك هو عين ما ينقله القرآن عن لسان الشيطان نفسه وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [٢]، و لكن من الواضح أنّه بعد إجابة دعوته من قبل عديمي الإيمان، و عبيد الهوى، لا يهدأ له بال، بل يسعى إلى إحكام سلطته على وجودهم.
لذا فإنّ الآية تؤكّد أنّ الهدف من إطلاق يد إبليس في وسوساته، إنّما هو لأجل معرفة المؤمنين من غيرهم ممّن هم في شكّ: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ [٣].
بديهي أنّ اللّه تعالى مطّلع تماما على كلّ ما يقع في هذا العالم منذ الأزل حتّى الأبد، و عليه فإنّ جملة «لنعلم» ليس مفهومها أنّ اللّه تعالى يقول: «بأنّنا لم نكن
[١] نهج البلاغة، الكلمات القصار.
[٢] إبراهيم، ٢٢.
[٣] على هذا المعنى الذي ذكرناه في تفسير الآية، فإنّ الاستثناء هنا «استثناء متّصل» بقرينة ما ورد في الآية (٤٢) من سورة الحجر: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ، بلحاظ أنّ ظاهر هذه الآية أنّ للشيطان سلطة على الغاوين- طبعا بعض المفسّرين احتملوا أن يكون «الاستثناء منقطعا أيضا».