الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٠ - ١- المصير المذهل لقوم سبأ!!
و رغم أنّ أرض (اليمن) كانت واسعة و صالحة للزراعة، إلّا أنّه من استغلالها لعدم وجود نهر مهمّ في تلك المنطقة، كما أنّ مياه الأمطار- التي كانت تهطل بغزارة على قمم الجبال كانت تذهب هدرا في هضاب و صحاري تلك المنطقة. و لكن أهل تلك المنطقة الأذكياء فكّروا في كيفية الاستفادة من تلك المياه المهدورة، فبنوا لهذا الغرض عددا من السدود في النقاط الحسّاسة كان أهمّها و أكثرها مخزونا «سدّ مأرب».
«مأرب» بلدة صغيرة تقع عند انتهاء إحدى ممرّات السيول تلك، و كانت تمرّ سيول جبال «صراة» العظيمة من جنبها، و في فم هذا المضيق و بين جبلي «بلق» بنوا سدّا عظيما قويا، و أوجدوا فيه منافذ كثيرة للماء، و قد استطاع هذا السدّ خزن كميّات هائلة من الماء خلفه إلى درجة أنّهم استطاعوا- بالاستفادة من ذخيرته- إحداث جنّات جميلة جدّا، و بساتين مملوءة بالبركة على طرفي النهر الوارد ابتداء من مصبّ السدّ.
و كما ذكرنا سابقا فإنّ القرى المأهولة في تلك الأرض كانت شبه متّصلة ببعضها، بحيث أنّ ظلال الأشجار كانت تتواصل مع بعضها البعض، و كانت الأشجار محمّلة بكميّات كبيرة من الثمار حتّى أنّ من يمرّ تحتها بسلّته الخالية يخرج بعد مدّة قصيرة بسلّة ممتلئة تلقائيا، و فور النعمة- ممزوجا بالأمان- هيّأ محيطا مرفّها لحياة طاهرة، محيطا نموذجيا لطاعة اللّه، و التكامل المعنوي، و لكنّهم لم يقدّروا النعمة حقّ قدرها، فنسوا اللّه، و جحدوا النعمة، و انشغلوا بالتفاخر و العناوين و المستوى الاجتماعي.
ورد في بعض كتب التاريخ بأنّ الجرذان الصحراوية، بعيدا عن مرأى هؤلاء المغرورين السكارى، كانت تتّخذ لها جحورا في ذلك السدّ الترابي، و تنخره من الداخل، و فجأة هطلت أمطار غزيرة و تجمّعت لتشكّل سيولا عظيمة، تراكمت خلف ذلك السدّ الذي لم يعدّ حينها مؤهّلا لتحمّل الضغط الشديد من تلك الكمّيات