الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - المدينة الراقية التي أضاعها الكفران
و لا منافاة بين التّفسيرين لأنّ من الممكن أن يكون «سبأ» اسم شخص ابتداء، ثمّ بعدئذ سمّي كلّ أولاده و قومه من بعده باسمه، ثمّ انتقل الاسم ليشمل مكان سكناهم.
تنتقل الآية بعد ذلك لتجلّي الموقف عن تلك الموهبة الإلهية التي وضعت بين يدي قوم سبأ. فيقول تعالى: جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ.
ما حصل هو أنّ قوم سبأ استطاعوا- ببناء سدّ عظيم بين الجبال الرئيسية في منطقتهم- حصر مياه السيول المدمّرة أو الضائعة هدرا على الأقل، و الإفادة منها ..
و بإحداث منافذ في ذلك السدّ سيطروا تماما على ذلك الخزّان المائي الهائل، و بالتحكّم فيه تمكّنوا من زراعة مساحات شاسعة من الأرض.
الإشكال الذي أثاره (الفخر الرازي) هو: ما هي أهميّة وجود مزرعتين لكي يذكر ذلك في آية مستقلّة؟ ثمّ يقول في الجواب أنّ هاتين المزرعتين لم تكونا عاديتين، بل إنّهما عبارة عن سلسلة من رياض المترابطة مع بعضها البعض و الممتدة على جانبي نهر عظيم يتغذّى من ذلك السدّ العظيم. و كانت تلك الرياض مليئة بالبركات إلى درجة أنّه ورد في كتب التأريخ عنها، أن لو مرّ شخص يحمل على رأسه سلّة فارغة من تحت أشجار تلك المزارع في فصل نضوج الأثمار فانّها تمتلئ بسرعة نتيجة ما يتساقط من تلك الأثمار الناضجة.
أليس من العجيب إذا أن يتحوّل سبب الخراب و الدمار إلى سبب رئيسي للعمران بذلك الشكل المدهش؟ ثمّ ألا يعدّ ذلك من عجائب آيات اللّه سبحانه و تعالى؟
و علاوة على كلّ ذلك- و كما سترد الإشارة إليه في الآيات الآتية- فإنّ من آيات اللّه أيضا ذلك الأمن و الأمان غير العاديين اللذين شملا تلك الأرض.
ثمّ يضيف القرآن: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌ