الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨ - أقسم باللّه لتأتينكم القيامة
و قد ورد نظير هذا التعبير في الآيات الثالثة و الرّابعة من سورة (ق) في قوله تعالى: أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ.
و لكن ما هو المقصود من «الكتاب المبين»؟
أغلب المفسّرين قالوا بأنّه «اللوح المحفوظ» و لكن السؤال هو: ما هو اللوح المحفوظ؟! و كما ذكرنا سابقا فإنّ أقرب تفسير (للّوح المحفوظ)، هو «لوح العلم الإلهي اللامتناهي» نعم في ذلك اللوح ضبط و قيّد كلّ شيء، بدون أن يجد التغيير و التبديل طريقه إليه.
و عالم الوجود المترامي الأطراف، هو الآخر انعكاس عن ذلك اللوح المحفوظ، بلحاظ أنّ كلّ ذرّات وجودنا و كلّ أقوالنا و أفعالنا، تبقى محفوظة فيه، و إن كانت الظواهر تتغيّر، لكنّها لا تخرج عن حدّها أبدا.
ثمّ يوضّح تعالى الهدف من قيام القيامة في آيتين، أو بتعبير آخر إعطاء الدليل على لزوم مثل ذلك العالم بعد عالمنا الحالي لمنكري القيامة، فيقول تعالى:
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ.
فإن لم يجاز المؤمنين بصالح عملهم ثوابا، أ فلا يعني ذلك تعطيل أصل العدالة الذي هو أهم أصل من اصول الخلقة؟ و هل يبقى معنى لعدالة اللّه بدون ذلك المفهوم؟! في الوقت الذي نرى أنّ أغلب هؤلاء الأفراد الصالحين، لا يتلقون جزاء أعمالهم الحسنة في هذه الدنيا أبدا، إذن لا بدّ من عالم آخر لكي يتحقّق فيه هذا الأصل.
تقديم «المغفرة» على «الرزق الكريم» ربّما كان سببه: أنّ أشدّ ما يقلق المؤمنين هو الذنوب التي ارتكبوها، لذا فإنّ الآية تطمئنهم بعرض المغفرة عليهم أوّلا، فضلا عن أنّ من لم يغتسل بماء المغفرة الإلهية لن يكون أهلا (للرزق الكريم) و المقام