الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - أقسم باللّه لتأتينكم القيامة
و يريدون بذلك الفكاك و التحرّر من قيود هذه الإعتقادات، الحساب و الكتاب و العدل و الجزاء، ليرتكبوا ما يحلوا لهم من الأعمال.
و لكنّ القرآن بناء على وضوح أدلّة القيامة يخاطب الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله بصورة حاسمة و في معرف بيان النتيجة، فيقول: قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
و التركيز على كلمة «ربّ» لأنّ القيامة في الأصل من شؤون الربوبية. فكيف يمكن أن يكون اللّه مالكا و مربيا للبشر يقودهم في سيرهم التكاملي، ثمّ يتخلّى عنهم في منتصف الطريق لينتهي بالموت كلّ شيء، فتكون حياتهم بلا هدف و خلقهم هباء و بلا معنى.
و قد ركّز القرآن في الآية السابعة من سورة التغابن أيضا على هذا الوصف، فقال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ.
و بما أنّ أحد إشكالات الكافرين بالمعاد، هو شكّهم- من جانب- في إمكانية جمع و إعادة بناء أعضاء الإنسان الميّت بعد تبعثرها و تفسّخها في التراب. و كذلك- من جانب آخر- في إمكانية وجود من يمكنه النظر في جميع أعمال العباد التي عملوها في السرّ و العلن و الظاهر و الباطن، لذا فإنّ اللّه تعالى يضيف في تتمّة الآية الكريمة عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [١].
لذا، فلا يغيب عن علمه تبعثر ذرّات جسم الإنسان في التراب، و لا اختلاطها بسائر الموجودات، و لا حتّى حلولها في أبدان أناس آخرين عن طريق الغذاء، و لا يشكّل مشكلة أمام إعادة بنائه من جديد .. و أعمالهم في هذه الدنيا تبقى محفوظة أيضا، و إن تغيّر شكلها، فهو سبحانه المحيط بها علما.
[١] «يعزب»: من مادة «عزوب» و تعني المتباعد في طلب الكلأ عن أهله، يقال عزب يعزب و يعزب ثمّ اطلق على كلّ غائب، يقال رجل عزب، و امرأة عزبة إذا غاب عنها زوجها.