الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - تحيّة اللّه و الملائكة فرج للمؤمنين
إنّ «الذكر الكثير»- بالمعنى الواقعي للكلمة- يعني التوجّه إلى اللّه سبحانه بكلّ الوجود، لا بلقلقة اللسان و حسب.
«الذكر الكثير» هو الذي يقذف النور في كلّ أعمال الإنسان، و يغمرها بالضياء، و لهذا فإنّ القرآن أمر كلّ المؤمنين في هذه الآية أن يذكروا اللّه على كلّ حال:
فاذكروه أثناء العبادة، فاحضروا قلوبكم و أخلصوا فيها.
و اذكروه عند إقدامكم على المعصية و تجنّبوها و إذا ما بدرت منكم عثرة و هفوة فبادروا إلى التوبة، و ارجعوا إلى طريق الحقّ.
و اذكروه عند النعم و اشكروه عليها.
و اذكروه عند البلايا و المصائب و اصبروا عليها و تحمّلوها.
و الخلاصة: لا تنسوا ذكره في كلّ مشهد من مشاهد الحياة و الابتعاد عن سخطه، و التقرّب لما يجلب رضاه.
و نطالع
في حديث مروي في «سنن الترمذي» و «مسند أحمد» عن أبي سعيد الخدري عن النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله: أنّه سئل: أي العباد أفضل درجة عند اللّه يوم القيامة؟ فقال: «الذاكرون اللّه كثيرا».
قال أبو سعيد: فقلت: يا رسول اللّه، و من الغازي في سبيل اللّه؟! قال: «لو ضرب بسيفه في الكفّار و المشركين حتّى ينكسر و يختضب دما لكان الذاكرون أفضل درجة منه» [١]،
و ذلك لأنّ الجهاد المخلص لا يمكن أن يتمّ بدون ذكر اللّه الكثير.
و من هنا يعلم أنّ للذكر الكثير معنى واسعا، و إذا ما فسّر في بعض الرّوايات بتسبيح فاطمة عليها السّلام- و هو ٣٤ مرّة (اللّه أكبر) و ٣٣ مرّة (الحمد للّه) و ٣٣ مرّة (سبحان اللّه)- و في كلمات بعض المفسّرين بذكر الصفات العليا و الأسماء الحسنى، و تنزيه اللّه سبحانه عمّا لا يليق به، فإنّ كلّ ذلك من باب ذكر المصداق الواضح، لا تحديد
[١] الدرّ المنثور، طبقا لنقل الميزان، المجلّد ١٦، صفحة ٣٥٣.