الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - تمرّد عظيم على العرف
شاء اللّه تعالى [١].
التّفسير
تمرّد عظيم على العرف:
نعلم أنّ روح الإسلام التسليم، و يجب أن يكون تسليما لأمر اللّه تعالى بدون قيد أو شرط، و قد ورد هذا المعنى في آيات مختلفة من القرآن الكريم، و بعبارات مختلفة، و من جملتها الآية أعلاه، و التي تقول: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ بل يجب أن يجعلوا إرادتهم تبعا لإرادة اللّه تعالى، كما أنّ كلّ وجودهم من الشعر حتّى أخمص القدمين مرتبط به و مذعن له.
(قضى) هنا تعني القضاء التشريعي، و القانون و الأمر و الحكم و القضاء، و من البديهي أنّ اللّه تعالى غني عن طاعة الناس و تسليمهم، و لم يكن النّبي صلّى اللّه عليه و آله ينظر بعين الطمع لهذه الطاعة، بل هي في الحقيقة لمصلحتهم و منفعتهم، فإنّهم قد يجهلونها لكون علمهم و آفاتهم محدودة، إلّا أنّ اللّه تعالى يعلمها فيأمر نبيّه بإبلاغها.
إنّ هذه الحالة تشبه تماما حالة الطبيب الماهر الذي يقول للمريض: إنّني أبدا بعلاجك إذا أذعنت لأوامري تماما، و لم تبد أي مخالفة تجاهها، و هذه الكلمات تبيّن غاية حرص الطبيب على علاج مريضه، و اللّه تعالى أسمى و أرحم بعباده من مثل هذا الطبيب، و لذلك أشارت الآية إلى هذه المسألة في نهايتها، حيث تقول:
وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً.
فسوف يضلّ طريق السعادة، و يسلك طريق الضلال و الضياع، لأنّه لم يعبأ بأمر
[١] اقتباس من تفسير مجمع البيان، و القرطبي، و الميزان، و الفخر الرازي، و في ظلال القرآن، و تفاسير اخرى في ذيل الآيات مورد البحث، و كذلك سيرة ابن هشام، المجلّد الأوّل، صفحة ٢٦٤، و الكامل لابن الأثير، المجلّد الثّاني، صفحة ١٧٧.