الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - أمّا السعادة الخالدة أو زخارف الدنيا!
«سرّحت الإبل»، أي: أطلقتها لتأكل من الأعشاب و أوراق الشجر، ثمّ أطلقت بمعنى أوسع على كلّ نوع من السراح و لكلّ شيء و شخص، و تأتي أحيانا كناية عن الطلاق، و يطلق (تسريح الشعر) على تمشيط الشعر و ترجيله، و فيه معنى الإطلاق أيضا. و على كلّ حال فإنّ المراد من «السراح الجميل» في الآية طلاق النساء و فراقهنّ فراقا مقترنا بالإحسان، و ليس فيه جبر و قهر.
و للمفسّرين و فقهاء المسلمين هنا بحث مفصّل في أنّه هل المراد من هذا الكلام أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله قد خيّر نساءه بين البقاء و الفراق، و إذا ما انتخبن الفراق فإنّه يعتبر طلاقا بحدّ ذاته فلا يحتاج إلى إجراء صيغة الطلاق؟ أم أنّ المراد هو أنّهنّ يخترن أحد السبيلين، فإن أردن الفراق أجرى النّبي صلّى اللّه عليه و آله صيغة الطلاق، و إلّا يبقين على حالهنّ؟
و لا شكّ أنّ الآية لا تدلّ على أيّ من هذين الأمرين، و ما تصوّره البعض من أنّ الآية شاهد على تخيير نساء النّبي، و عدّوا هذا الحكم من مختصّات النّبي صلّى اللّه عليه و آله، لأنّه لا يجري في سائر الناس، لا يبدو صحيحا، بل إنّ الجمع بين الآية أعلاه و آيات الطلاق يوجب أن يكون المراد الفراق عن طريق الطلاق.
و هذه المسألة مورد نقاش بين فقهاء الشيعة و السنّة، إلّا أنّ القول الثّاني- أي الفراق عن طريق الطلاق- يبدو أقرب لظواهر الآيات، إضافة إلى أنّ لتعبير (أسرحكنّ) ظهورا في أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله كان يقدّم على تسريحهنّ، خاصّة و أنّ مادّة «التسريح» قد استعملت بمعنى الطلاق في موضع آخر من القرآن الكريم (سورة البقرة/ الآية ٢٢٩) [١].
و تضيف الآية التالية: وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً.
[١] طالع التوضيح الأكثر في هذا الباب في الكتب الفقهية، و خاصة كتاب الجواهر، المجلّد ٢٩، صفحة ١٢٢ و ما بعدها.