الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - ١- ملاحظات هامّة في معركة الأحزاب
لقد استعدّ هؤلاء في أحد أيّام الحرب للمبارزة الفردية، و لبسوا عدّة الحرب، و استطاعوا اختراق الخندق و العبور بخيولهم إلى الجانب الآخر من خلال نقطة ضيّقة فيه، كانت بعيدة نسبيا عن مرمى الرماة المسلمين، و أن يقفوا أمام جيش المسلمين، و كان أشهرهم «عمرو بن عبد ودّ».
فتقدّم و قد ركبه الغرور و الاعتداد بالنفس، و كانت له خبرة طويلة في الحرب، و رفع صوته طالبا من يبارزه.
لقد دوّى نداؤه (هل من مبارز) في ميدان الأحزاب، و لمّا لم يجرأ أحد من المسلمين على قتاله اشتدّت جرأته و بدأ يسخر من معتقدات المسلمين، فقال: أين جنّتكم التي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها؟ هل فيكم من أرسله إلى الجنّة، أو يدفعني إلى النار؟
و هنا أنشد أبياته المعروفة:
|
و لقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز |
و وقفت إذ جبن المشجّع موقف البطل المناجز |
|
|
إنّ السماحة و الشجاعة في الفتى خير الغرائز |
فأمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله عند ذلك أن يخرج إليه رجل و يبعد شرّه عن المسلمين، إلّا أنّ أحدا لم يجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلّا علي بن أبي طالب عليه السّلام،
فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله: «إنّه عمرو» فقال علي عليه السّلام: «و إن كان عمروا» فدعاه النّبي صلّى اللّه عليه و آله و عمّمه، و قلّده سيفه الخاصّ ذا الفقار، ثمّ دعا له فقال: «اللهمّ احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته».
فمشى علي عليه السّلام إلى الحرب و هو يرتجز:
|
لا تعجلنّ فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز |
ذو نيّة و بصيرة و الصدق منجي كلّ فائز |
|
|
إنّي لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز |