الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - دور المؤمنين المخلصين في معركة الأحزاب
قبائل العرب و مختلف أعدائكم سيتّحدون ضدّكم قريبا و يأتون إليكم، لكن اعلموا أنّ النصر سيكون حليفكم في النهاية، فلمّا رأى المؤمنون هجوم الأحزاب أيقنوا أنّ هذا ما وعدهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قالوا: ما دام الجزء الأوّل من الوعد قد تحقّق، فمن المسلّم أنّ جزأه الثّاني- أي النصر- سيتحقّق بعده، و لذلك زاد إيمانهم و تسليمهم.
و قال البعض الآخر: إنّ هذا الوعد هو ما ذكره اللّه سبحانه في الآية (٢١٤) من سورة البقرة حيث قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ.
أي إنّهم قيل لهم من قبل: إنّكم ستخضعون لامتحان عسير، فلمّا رأوا الأحزاب تيقّنوا صدق إخبار اللّه و رسوله، و زاد إيمانهم و تسليمهم.
و من الطبيعي أنّ هذين التّفسيرين لا يتنافيان، خاصّة بملاحظة أنّ أحد الوعدين كان في الأساس وعد اللّه، و الآخر وعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله، و قد جاءا معا في الآية مورد البحث، و يبدو أنّ الجمع بينهما مناسب تماما.
و تشير الآية التالية إلى فئة خاصّة من المؤمنين، و هم الذين كانوا أكثر تأسّيا بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله من الجميع، و ثبتوا على عهدهم الذي عاهدوا اللّه به، و هو التضحية في سبيل دينه حتّى النفس الأخير، و إلى آخر قطرة دم، فتقول: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ من دون أن يتزلزل أو ينحرف و يبدّل العهد و يغيّر الميثاق الذي قطعه على نفسه وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
إنّهم لم ينحرفوا قيد أنملة عن خطّهم، و لم يألوا جهدا في سبيل اللّه، و لم يتزلزلوا لحظة، بعكس المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين بعثرتهم عاصفة الحوادث هنا و هناك و أفرزت الشدائد في أدمغتهم الخاوية أفكارا جوفاء خبيثة ... إنّ المؤمنين