الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٤ - الندم و طلب الرجوع
فتقول: إنّ هؤلاء الكفّار يتساءلون باستغراب بأنّنا إذا متنا و تحوّلت أبداننا إلى تراب و اندثرت تماما فهل سوف نخلق من جديد: وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
إنّ التعبير ب ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ إشارة إلى أنّ الإنسان يصبح ترابا بعد موته كسائر الأتربة و يتفرّق هذا التراب نتيجة العوامل الطبيعية و غير الطبيعية، و لا يبقى منه شيء حتّى يعيده اللّه سبحانه في القيامة مرّة اخرى.
إلّا أنّ هؤلاء ليسوا بمنكرين قدرة اللّه في الحقيقة بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ فإنّهم ينكرون مرحلة لقاء اللّه و الحساب و الثواب و العقاب و لتبرير حرية العمل و ليعملوا ما يريدون! و هذه الآية تشبه كثيرا الآيات الاولى من سورة القيامة التي تقول: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ. [١] بناء على هذا، فإنّ هؤلاء ليسوا قاصرين من ناحية الاستدلال، و لكن شهواتهم حجبت قلوبهم، و نيّاتهم السيّئة منعتهم من قبول مسألة المعاد، و إلّا فإنّ اللّه الذي أعطى قطعة المغناطيس القوّة التي تجذب إلى نفسها ذرّات الحديد الصغيرة جدّا و المتناثرة في طيّات أطنان من تراب الأرض من خلال جولة سريعة في تلك الأرض، و تجمعها بكلّ بساطة، هو الذي يجعل بين ذرّات بدن الإنسان مثل هذه الجاذبية المتقابلة.
من الذي يستطيع أن ينكر أنّ المياه الموجودة في جسم الإنسان- و أكثر جسم الإنسان ماء- و كذلك المواد الغذائية، كانت ذرّاتها متناثرة في زاوية من العالم قبل ألف عام مثلا، و كلّ قطرة في محيط، و كلّ ذرّة في إقليم، إلّا أنّها تجمّعت عن طريق
[١] سورة القيامة، ٣- ٦.