الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - مراحل خلق الإنسان العجيبة!
و أشار القرآن في آخر مرحلة- و التي تعتبر المرحلة الخامسة في خلق الإنسان- إلى نعمة الاذن و العين و القلب، و من الطبيعي أنّ المراد هنا ليس خلقة هذه الأعضاء، لأنّ هذه الخلقة تتكوّن قبل نفخ الروح، بل المراد حسّ السمع و البصر و الإدراك و العقل.
و التأكيد على هذه الحواس الثلاث فقط من بين كلّ الحواس «الظاهرة» و «الباطنة»، لأنّ أهمّ حسّ ظاهري يربط الإنسان بالعالم الخارجي رابطة قويّة هو السمع و البصر، فالأذن تدرك الأصوات، و خاصّة أنّ التربية و التعليم يتمّ بواسطتها، و العين وسيلة النظر إلى العالم الخارجي و مشاهدة مشاهد هذا العالم المختلفة، و قوّة العقل أهمّ حسّ باطني لدى الإنسان، و بتعبير آخر فإنّه حاكم على وجود البشر.
و الجدير بالذكر أنّ «أفئدة» جمع «فؤاد» بمعنى «قلب» و لكن مفهومها أدقّ من القلب حين يقصد بها عادة الحنكة و الفطانة في الفرد، و بهذا يبيّن اللّه تعالى في هذه الآية أهمّ وسائل المعرفة و الإدراك الظاهرية و الباطنية في الإنسان، لأنّ العلوم و المعارف إمّا أن يحصل عليها الإنسان بواسطة «التجربة» فالوسيلة هي السمع و البصر، أو عن طريق التحليل و الاستدلال العقلي، و الوسيلة لذلك هو العقل و الفؤاد كما ورد التعبير عنه في هذه الآية، و حتّى الإدراك الحاصل من الوحي أو الإشراق و الشهود القلبي يتمّ بواسطة هذه الوسيلة أيضا، أي «الأفئدة».
و لو فقد الإنسان هذه الوسائل للمعرفة، فسوف يخسر قيمته تماما و يصبح مجرّد كميّة مهملة من المادّة و التراب، و لهذا نجد الآية الشريفة محل البحث تؤكّد في ختامها على مسألة الشكر لهذه النعم العظيمة على الإنسان و تقول قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ و ذلك إشارة إلى أنّ الإنسان مهما سعى في أداء شكر هذه النعم و المواهب العظيمة، فمع ذلك لا يؤدّي حقّ الشكر.