وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٢٠ - نسبة الخبر إليه
كانت هذه إلمامة بالزاوية السياسية و التركيبة الاجتماعية، و التي يقابلها تقاطع آخر بين الأنصار و القرشيين من الناحية الفقهية، و ذلك ما أفرزته حالة تمسّك المدّ الأنصاري بمسلك التعبّد المحض، و انجراف التيار القرشي وراء مسلك الاجتهاد و الرأي على أنّ وجود متعبّدين ماحضين من القرشيين، و وجود مجتهدين مرتئين من الأنصار لا يخرم الإطار العام للمسير الفقهي لكلا الاتجاهين، و إذا توخّينا الدقة أكثر سمّينا الاتجاه الأوّل «الأنصار و المتعبدون» و الثاني «قريش و المجتهدون»، فمن شذّ من الأنصار دخل في حيّز «المجتهدين» و من شذّ من القرشيين درج في المتعبّدين.
و بمعنى آخر: نحن لا نريد بقولنا هذا تصحيح فعل الأنصاري و القول بأنّ جميع أقواله و أفعاله مستوحاة من النص، أو أنّهم جميعا يتّفقون مع علي بن أبي طالب، لاجتماعهم معه على أرضية واحدة، و كذا لا نريد القول بعكسه في القرشي، بل الذي نريد قوله: أنّ المسلك العام للأنصار هو الأخذ بما عرفوه و عملوا به من سنة و نص و عدم ايمانهم بضرورة الاجتهاد في المفردات التي نزل بها الوحي، بخلاف القرشي الذي يسعى لتحكيم رأى القريشيين و إعطاءه الشرعية. و إن كان هناك من شذّ من الطرفين عن مسيرهم العام، إذ تلحظ الشذوذ في سيرة الواحد منهم، فيأخذ الأنصاري مثلا بالنص في مفردة و يجتهد في أخرى، و كذا القرشي فقد يجتهد في مفردة و يدافع عن النص في مفردة أخرى، لكن الصبغة العامة و السيرة الغالبة عند الأنصاري هي اتباع ما عرفوه و جرت سيرتهم عليه و عدم تأثرهم بالجديد المستحدث، بل وقوفهم أمامه في بعض الأحيان، بخلاف القرشي الذي تأخذه العصبية لتحكيم رأي قرينه لأنّه يمس بكيانهم القبلي. و إليك مثالا على ذلك.
نحن نعلم أنّ عثمان بن عفان قد أتم الصلاة بمنى خلافا لسنة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سيرة الشيخين و جاء عن معاوية أنّه لمّا قدم مكة حاجّا قصر بمنى في الظهر فنهض مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان، فقالا: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عتبه به.
فقال لهما: و ما ذاك؟
قالا: ألم تعلم أنّه (أي عثمان) أتم الصلاة بمكة؟
قال لهما: و يحكما! و هل كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و مع أبي بكر و عمر.