وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٨٩ - نسبة الخبر إليه
لاجتهاده و رأيه، و قد مر عليك قبل قليل كلام الخليفة الأول (إنكم تحدثون عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أحاديث تختلفون فيها، و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) شيئا) و قول عمر بن الخطّاب (فلا يبقين أحد عنده كتاب إلّا أتاني به فأرى فيه رأيي).
فهذه النصوص توضّح بأنّ الشيخين لم يرتضيا التدوين و التحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و أن الناس قد كرهوا التدوين، لكراهة الشيخين له، ثمّ أحبّوه لحب عمر بن عبد العزيز له، فقال الزهري: (كنا نكره التدوين حتّى أكرهنا السلطان- و يعني به عمر بن عبد العزيز- على ذلك و ..)
فالنهي إذا لم يكن نهيا شرعيا عن رسول اللّٰه، بل الاتجاه الفقهي للاجتهاد و الرأي في الأزمنة اللاحقة هو الذي أراد تحديد الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بما عمل به في عهد أبي بكر و عمر لا غير.
فقد جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد و مسند أحمد: أنّ محمود بن لبيد قال:
سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد أن يروي حديثا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لم يسمع به في عهد أبي بكر و لا عهد عمر [١].
و عن معاوية قوله: أيّها الناس! أقلّوا الرواية عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، إن كنتم تحدّثون فحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر [٢].
و في رواية ابن عساكر: إيّاكم و الأحاديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلّا حديثا ذكر على عهد عمر [٣].
و هذه النصوص- عن هؤلاء الخلفاء- تؤكّد مدّعانا، حيث ترى عثمان و معاوية يؤكدان على عدم جواز نقل حديث لم يسمع به على عهد أبي بكر و عمر، و هذا معناه إقرارهم لما شرّع و عمل به في عهدهما و النهي عما نهيا عنه دون النظر إلى أصل الحديث صحّة و سقما، و صدوره عن النبي.
و الباحث في الفقه الإسلامي يوافقنا فيما قلناه لأنّه غالبا ما يرى أنّ الفقه
[١] الطبقات الكبرى لابن سعد ٢: ٣٣٦، و عنه في السنة قبل التدوين: ٩٧.
[٢] كنز العمال ١: ٢٩١.
[٣] تاريخ دمشق ٣: ١٦٠.