وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩١ - نسبة الخبر إليه
حتميّة موافقتهم على اجتهادات الشيخين ليشير إلى هذه الحقيقة.
أنّ اتجاه التعبّد المحض لم يكن على وفاق مع نهج الاجتهاد و الرأي فكريا، فابن عوف يريد تطبيق ما سنّ على عهد الشيخين، و رجال التعبد لا يرتضون إعطاء الشرعية لهذه الاجتهادات، لمخالفة بعضها لكتاب اللّٰه و سنة نبيه، فكانوا يخالفون تلك المواقف و يحدّثون عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فيها، و هذه هي التي كانت تؤذي الخليفة عمر بن الخطّاب، و لمّا ظهرت الأحاديث بيد الناس دعاهم عنده و قال لهم: (انكم أكثرتم الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)) أو قوله (افشيتم الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)) ثمّ أمرهم بالبقاء عنده حتى أصيب.
فانصار التعبّد المحض كانوا يحدّثون حتى لو وضعت الصمصامة على أعناقهم.
و قد مر عليك ما قاله الصحابي الكبير أبو ذر الغفاري في مقدمة هذا المجلد [١].
فالاتجاه الحاكم كان لا يريد أن يتحدّث أبو ذر و أمثاله بالأحكام التي قد لا توافق الخليفة، لأنّ المشهد عظيم و هو (الحج)، و المكان- الجمرة الوسطى- أكثر ما يجتمع فيه الحجيج، لكونه مجمع الصاعد منهم إلى العقبة، و الهابط إلى الجمرة الصغرى، فكلام أبي ذر في هذا المشهد و اجتماع الناس عليه يستفتونه هو ما لا يرضي الخلفاء، و قد نهى عمر و عثمان أبا ذر عن هذا سابقا و أن المعترض ذكّره بقوله (ألم تنه).
فقد يكون النهي السابق هو إشارة إلى ما أخرجه الحاكم بسنده عن إبراهيم: إنّ عمر قال لابن مسعود و لأبي ذر و لأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و أحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب [٢].
ففي جملة (ما هذا الحديث) أو قوله في نص آخر (إنكم أفشيتم الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)) و في ثالث (أكثرتم الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)) إشارة إلى أنه كان يرى في الإفشاء و الإكثار و نقل الحديث ثقل المواجهة معه! و لو تأنّيت في موقف ابن عبّاس في التلبية لرأيته نفس موقف أبي ذر في رفض
[١] انظر صحيح البخاري ١: ٢٧، فتح الباري ١٨: ١٧٠، سنن الدارمي ١: ١١٢، و حجية السنة و في بعض النصوص ان المتكلم مع أبي ذر كان عثمان بن عفان.
[٢] المستدرك على الصحيحين ١: ١١٠، مجمع الزوائد ١: ١٤٩، قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و وافقه الذهبي في ذيله على الكتاب.