وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٠ - نهاية المطاف
و هذا هو الذي سوّغ لعمر أن يعاقب- و بجرأة- من يتحدث عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و سهّل من بعده لعثمان أن يتجاهل الأحاديث الوضوئية الصحيحة عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بقوله: «يتحدّثون بأحاديث لا أدري ما هي؟!» نعم، أنكرها عثمان و كأنه لم يسمعها من قبل، و لا رأى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) يحدّث بها و يفعلها طول عمره المبارك الشريف!! و قد استمرّ عثمان أيضا بالنهي عن التحديث و الفتيا، فصار أبو ذر و ابن مسعود و عمّار بن ياسر و أمثالهم في أشدّ المضايقة، و أقسى الضغوط، لأنّهم لم يلتزموا بالمنع الحكومي، حتّى وصل الأمر بالحجّاج بن يوسف الثقفي أن يختم في يد جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري و في عنق سهل بن سعد الساعدي [الأنصاري] و أنس بن مالك [الأنصاري]، يريد إذلالهم، و أن يتجنّبهم الناس و لا يسمعوا منهم [١]. و في كتاب (المحن) لأبي العرب التميمي: أن الحجّاج ختم يد الحسن البصري و ابن سيرين [٢] كذلك.
إذن، لم يكن التيار الفكريّ الفقهيّ المعارض لوضوء عثمان تيارا طارئا و لا حدثا عابرا، بل كان امتدادا طبيعا لخط التحديث، المعارض للرأي و الاجتهاد.
ف «الناس» المقصودون في أحاديث عثمان الوضوئية- و لا ريب- هم أنفسهم أو هم امتداد للصحابة الكبار المعارضين لمنع التحديث و التدوين، و هؤلاء هم الذين يرون أنّ الأحكام توقيفية لا يمكن تجاوزها بالزيادة و النقصان، فلا مجال للاجتهاد و الرأي فيها خصوصا مع وجود النص القرآني و السنة النبوية المباركة.
و ستعلم لاحقا أنّ أصحاب المدوّنات كانوا من أتباع و أنصار الوضوء الثنائي المسحي، أو أنهم لم يكونوا من أنصار الوضوء الثلاثي الغسلي على الأقلّ، و هذه مسألة تؤكّد الترابط بين المدونين و نهج التعبد في الوضوء من جهة، و بين مانعي التدوين و خط الاجتهاد و الرأي في الوضوء من جهة أخرى، حتّى أن عبد اللّٰه بن عمر
[١] أسد الغابة، لابن الأثير ٢: ٤٧٢ في ترجمة سهل بن سعد الساعدي.
[٢] كتاب المحن: ٤٢٨- ٤٢٩ كما في الفكر الأصولي لعبد المجيد الصغير.