وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦١ - نهاية المطاف
- و هو ممن خالف اجتهادات عمر- كان لا يرى المسح على الخفّين، لأنّه كان قد سمع الحديث عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في أنّ المسح على الخفين غير جائز، و أنّ الوضوء لا يعدّ وضوءا مع المسح على الخفين، و أنّ سورة المائدة جاءت بالوضوء الذي يمسح فيه على القدمين لا على الخفين، و هو و إن قيل عنه أنّه ما مات حتى وافق الناس و رجع إلى جواز المسح على الخفين، إلّا أنّ المهم هو ثبوت كونه من مانعي المسح على الخفين في حياة أبيه، فموقفه الوضوئي آن ذاك لا يمكن التغاضي عنه مع ما صدر منه من مواقف في الدفاع عن كثير من الأحكام الثابتة، و وقوفه ضدّ اجتهادات أبيه [١].
و هنا تتأكّد أصالة النهج الوضوئي و أحقّيّته، و لا يهمنا بعد ذلك أن يكون ابن عمر رجع و قال بالمسح على الخفين أم لم يرجع، و إن ذلك ليرجع إلى الظروف التي كان يعيشها، إذ عرف عنه عدم استقراره في مواقفه السياسية، لأنّه قد صار في أواخر عمره تبعا للسلطات الأموية.
لكنّ الحقّ أنّ نهج التعبّد المحض و التحديث أخذ ينشط و يعمل بكلّ دأب و جدّ في زمن خلافة علي بن أبي طالب، لذلك نرى كتاب علي إلى محمد بن أبي بكر- و إليه على مصر- و سائر مواقفه الوضوئية و الفقهية الأخرى، تؤكد على كثير من الأحكام الشرعية التي كانت من البداهة بمكان، و من جملتها الوضوء الثنائي المسحي، و الصلاة و غيرها من بديهيات الأحكام الشرعية، و عليّ هو رائد مدرسة التعبّد و الدعوة لفتح باب التدوين و التحديث.
نعم، جدّ عليّ ليمحو الآثار الّتي خلّفتها الحكومات التي سبقته، بسبب اجتهاداتها المتكررة، فراح يؤكّد على ضرورة اتّباع نهج التعبد، و اتّباع خطى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في أحكامه و أفعاله.
فالوضوء إذن، لا يمكن تفكيكه عن مسألة التحديث و التدوين، و لا مسألة الاجتهاد و التعبد بحال من الأحوال، لأنّ روّاد التعبد المحض هم رواد الوضوء
[١] انظر منع تدوين الحديث، لنا: ٢٥٦.