وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٥٨ - نهاية المطاف
و على كلّ حال، فقد استمر الخلاف الوضوئي باحتدام و شدّة، فكان المحدثون من أصحاب مدرسة التعبد المحض لا يرون إلّا الوضوء النبوي الثنائي المسحي، و كانت الدولة و أتباعها- من فقهاء منع التحديث، و من مدرسة الاجتهاد و الرأي- لا ترى إلّا الوضوء العثماني الثلاثي الغسلي.
و حين حصرت الدولة العباسية المذاهب الإسلامية بالمذاهب الأربعة- و هي جميعا من مدرسة الاجتهاد و الرأي- و دوّنت آراؤهم الفقهية، كان من ضمنها الوضوء العثماني، الذي أكدوا عليه أيّ تأكيد، و اختلفوا في فروضه و سننه و آدابه و كيفيته أشد الاختلاف مما يقف عليه المطالع في كتبهم الفقهية، فاتّسعت الفجوة اتساعا كبيرا بحيث تعسّر و يتعسر رأبها، فصار الوضوءان خطّين متوازيين لا يلتقيان.
نهاية المطاف
من كل ما تقدم تتجلى حقيقة في غاية الأهمية و الوضوح، مفادها أن المعارضين للوضوء العثماني لم يكونوا قد بزغوا بزوغا مفاجئا فظهروا على الساحة الفقهية الإسلامية ظهورا غير متوقع، بل العكس هو الصحيح، و ذلك لتسلسل حلقات الاجتهادات في مقابل الكتاب و السنة من جانب، و تسلسل حلقات المعارضة للتدوين و التحديث من جانب آخر من قبل الخلفاء، و بقي إصرار جمّ غفير من عيون الصحابة على مواصلة التدوين و التحديث، و من ثمّ لجوء المانعين إلى فتح باب الاجتهاد و الرأي، و بقاء المتعبّدين على تعبّدهم المحض و منعهم من العمل بالاجتهاد و الرأي [١].
لأنّ فتح أبي بكر و عمر لباب الرأي و الاجتهاد لأنفسهما هو الذي فتح من بعدهما لعامة الصحابة ذلك، فكانت تلك نتيجة طبيعية لسدّهما باب التدوين و التحديث و الذهاب إلى شرعية التعددية و حجية الآراء.
و كان إعطاء عمر زمام اختيار الخليفة الثالث في الشورى بيد عبد الرحمن بن
[١] انظر تفصيل ذلك في كتابنا (منع تدوين الحديث، أسبابه و نتائجه).