وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩٣ - عبد اللّٰه بن عمرو و اجتهاده بمحضر الرسول
الليل، و قال: (و لكنّي أقوم و أنام، و أصوم و أفطر، و أتزوج النساء، و آكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منّي) و كل من لم يزمّ نفسه في تعبده و أوراده بالسنّة النبوية، يندم و يترهب و يسوء مزاجه، و يفوته خير كثير من متابعة سنة نبيّه الرءوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، و ما زال (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم معلما للأمة أفضل الأعمال، و آمرا بهجر التبتل و الرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، و نهى عن الوصال، و عن قيام أكثر الليل إلّا في العشر الأخير، و نهى عن العزبة للمستطيع، و نهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر و النواهي.
فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، و العابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، و أحب الأعمال إلى اللّٰه تعالى أدومها و إن قلّ، ألهمنا اللّٰه و إياكم حسن المتابعة، و جنبنا الهوى و المخالفة [١]».
و بهذا فقد وقفنا على نفسية عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص و أنّ روحية الاجتهاد كانت هي الحاكمة عليه في عهد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و من بعده لا التعبد، لأنّه لو كان متعبدا بقول رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لما جاز له أن يناقضه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم- أو يناقصه حسب تعبير الذهبي- في كلامه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم، بل كان عليه الامتثال و الطاعة، لقوله سبحانه وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا مُبِيناً [٢] و إنّ ما قدمناه يدعونا للتشكيك فيما علله عبد اللّٰه في سبب خروجه على علي بن أبي طالب من أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمره بإطاعة أبيه [٣]، لأنّ وقوفه أمام أوامر الرسول و مناقضته له، و ثبوت تأسفه و تركه لتعاليم الرسول حتى آخر حياته، كل هذه تخالف مقولته السابقة من أنّه قد تعبد بكلام رسول اللّٰه!! و عليه، فخروج عبد اللّٰه بن عمرو على علي بن أبي طالب و دخوله في جيش
[١] سير أعلام النبلاء ٣: ٨٥- ٨٦.
[٢] سورة الأحزاب ٣٣- ٣٦.
[٣] انظر سيرة أعلام النبلاء ٣: ٩٢ و قال في الهامش: إسناده ضعيف لضعف عبد اللّٰه بن قدامة ضعفه أبو حاتم و الدار قطني و النسائي و ابن حبّان و غيرهم.