وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٤٦ - البحث الدلالي
و رابعا: إنّ ما رواه النّسائي من رواية الدراوردي هو رواية خالية من حكم الرجلين، و هي لا تتفق مع ما روي عن ابن عبّاس من مسحه ما تحت النعلين تارة، و غسله للقدمين أخرى، و مسحه لهما ثالثة و .. كما أنّها لا تتفق مع ما أخرجه الطحاوي عن الدراوردي أيضا من أنّ ابن عبّاس نقل هذا الوضوء عن النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فقال: «إنّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) رشّ على قدميه و هو متنعّل» فلم يذكر فيها مسح و لا غسل!! و هذا لعمري عين الاضطراب الّذي يعنيه علماء الدراية في بحوثهم.
و الإنصاف إنّ الاستدلال بما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عبّاس في الغسل من أشكال المشكلات سندا و متنا، و لعلّه الّذي حدا بابن حجر و غيره من الأعلام أن يتردّدوا بما رواه أبو داود في الإسناد الأوّل عن هشام بن سعد، لأنّ شدّة الاضطراب في المتن جعلتهم يتوقفون عن البتّ بضرس قاطع في معناها، بل جدّوا في تأويلها و القول بأنّ جملة (وضع يده الأخرى تحت النعل) هي استعمال مجازي للكلمة، أريد منه باطن القدم، فلو كانوا جازمين بما يقولون لما تردّدوا في كلامهم.
و عليه تكون الروايات الغسليّة عن ابن عبّاس مضطربة متنا، و هذا الاضطراب مما يستشعر من كلام ابن حجر حيث قال: (.. و أمّا قوله (تحت النعل) فإن لم يحمل على التجوّز عن القدم، و إلّا فهي رواية شاذّة، و راويها هشام بن سعد لا يحتجّ بما تفرّد به، فكيف إذا خالف) [١].
نعم، إنّ البيهقي نقل خبر هشام و الروايات الغسليّة عن ابن عبّاس، ثمّ قال:
(.. فهذه الروايات اتفقت على أنّه غسلهما، و حديث الدراوردي يحتمل أن يكون موافقا، بأن يكون غسلهما في النّعل، و هشام بن سعد ليس بالحافظ جدا فلا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات الإثبات، كيف و هم عدد و هو واحد) [٢].
و علّق ابن التركماني على قول البيهقي، بقوله:
«.. قلت: حديث هشام أيضا يحتمل أن يكون موافقا لها، بأن يكون غسلهما في النعل، فلا وجه لإفراده بأنّه خالف الثقات.
[١] فتح الباري ١: ١٩٤.
[٢] السنن الكبرى، للبيهقي ١: ٧٣.