وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٢ - عثمان و الاجتهاد
المحدثين.
و من هنا حدث التخالف في الموقف بين النهجين، هذا يحدّث و يدوّن، و ذاك يقول بالإقلال و منع التحديث و التدوين، و هذا يقول بلزوم عرض المنقول عن رسول اللّٰه على القرآن فإن وافقه يؤخذ به و إن خالفه يطرح عرض الجدار، و الآخر يقول بعدم ضرورة ذلك، و بذلك ارتمست تدريجيّا أصول الطرفين الفكرية.
هذا، و إنا كنّا قد وعدنا القراء في (المدخل) بتقديم بحث هنا لأسباب منع التدوين و كيفية حدوث اتجاهين في الشريعة، و لكنّا لمّا رأينا سعة البحث و فينا بما اشترطنا على أنفسنا في كتابنا (منع تدوين الحديث، أسبابه و نتائجه) و من أراد المزيد فليراجعه.
عثمان و الاجتهاد
و في خضم هذه الأحداث و إمساك نهج الاجتهاد و الرأي بزمام الأمور تسنّى لهم أن يجعلوا سيرة الشيخين قسيما ثالثا لكتاب اللّٰه و سنّة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فاشترطوا على من يلي الخلافة بعد عمر أن يذعن لهذه القاعدة النابعة من الاجتهاد، فقبل عثمان بن عفّان ذلك، و أبى عليّ أشدّ الإباء، لأنّ قبول ذلك الشرط يعني التخلي عن مدرسة التعبد المحض، و الانخراط في سلك الاجتهاد بالرأي، و ذلك ما لا يقرّه عليّ بن أبي طالب- تبعا لرسول اللّٰه و القرآن المجيد كما بيّنّا ذلك- لأنّه يضفي الشرعية على تلك الفكرة المستحدثة.
و لا يخفى أنّ عبد الرحمن بن عوف كان يبغي من هذا الشرط إلزام عثمان بن عفّان بالعمل طبق اجتهادات الشيخين، و حصر دائرة الشرعيّة بهما دون سواهما، إلّا أنّ الواقع الذي حصل من بعد كان خلاف ما أراد الشيخان و ابن عوف، لأنّ فكرة الاجتهاد بنفسها تأبى هذا التأطير الذي لا يمتلك القوة الإقناعية لهذا الحصر المراد.
فإنّ تشريع سنّة الشيخين- طبق الاجتهاد- و الارتقاء بها إلى صف السنة النبوية، جاء لتطبيق ما سنّ على عهدهما من آراء، و الذهاب إلى شرعيتها، و عدم السماح