منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥ - المعنى
الظاهرة و الباطنة إذ لا نعرف بعضها كشهوته و غضبه و خلقه و صحته و مرضه، و نشك في بعضها كمقدار طوله و عرضه و لون بشرته و غير ذلك، و أمّا حياته و علمه و قدرته و إرادته فانّه جليّ عندنا من غير أن يتعلّق الحسّ الظاهر بها لأنها غير محسوسة بشيء من الحواس الظاهرة و ليس عليها مع هذا الوضوح و الجلاء إلّا دليل واحد و هو الكتابة أو الخياطة.
و أمّا وجود اللّه تبارك و تعالى و قدرته و علمه و إرادته و حياته فيشهد له جميع ما في الكون، و كلّما نشاهده أو ندركه بالحواسّ الظاهرة و الباطنة من حجر و مدر و نبات و شجر و حيوان و أرض و سماء و كوكب و بحر و برّ و نار و هواء بل أوّل شاهد عليه أنفسنا و أوصافنا و تقلب أحوالنا من الصّغر و الكبر و القوّة و الضّعف و الصّحة و السّقم و الرّضا و الغضب و الفرح و الحزن و الحبّ و البغض و الشّهوة و الكراهة و الاناة و الارادة و الرّغبة و الرّهبة و الرّجاء و اليأس إلى غير هذه.
و أظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثمّ أحوالنا و محسوساتنا باحدى الحواسّ ثمّ مدركاتنا بالعقل و البصيرة، و كلّ واحد من هذه المدركات له دليل واحد و شاهد واحد، و جميع ما في العالم شواهد ناطقة و أدلّة شاهدة بوجود خالقها و مدّبرها و دالّة على علمه و قدرته و لطفه و حكمته، فانّه كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا و ليس لها شاهد إلّا حركة يده فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصوّر شيء داخل نفوسنا و خارجها إلّا و هو شاهد عليه، و ما من ذرّة إلّا تنادى بلسان حالها أنّه ليس وجودها و لا حركتها بذاتها و أنّها تحتاج إلى موجد و محرّك.
فاذا علمت هذا فنقول: لما لم يبق في الوجود مدرك و لا محسوس و لا معقول و لا حاضر و لا غايب إلّا و هو شاهد على وجوده معروف لعظم ظهوره فانبهرت العقول و دهشت عن إدراكه فانّ ما يعجز عنه فهم عقولنا له علتان احداهما خفائه في نفسه كالهيولى و العدم و الزّمان و الحركة و العدد و النّسبة و غيرها و الثانية غاية جلائه و وضوحه و قصور القوّة الادراكيّة كمثال نور الشّمس و بصر الخفّاش، فانّ بصره