منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٤ - المعنى
اللّه من عباده و لا يقبله ألا ترى لو أنّ عبدا لك عمل على أنّه يسخطك سنة و يرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه و لم يحلّ عندك محلّ العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك و نصحك في كلّ الامور في كلّ الأوقات على تصرّف الحالات.
فان قلت: أو ليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثمّ يتوب قبل توبته؟
قلنا: إنّ ذلك شيء يكون من الانسان لغلبة الشّهوات له و تركه و تركه مخالفتها من غير أن يقدّره في نفسه و يبنى عليه أمره فيصفح اللّه عنه و يتفضّل عليه بالمغفرة.
فأمّا من قدّر أمره على أن يعصى ما بدا له ثمّ يتوب آخر ذلك فانّما يحاول خديعا من لا يخادع[١] أن يتسلّف التلذّذ في العاجل و يعد و يمنّى نفسه التّوبة في الآجل و لأنّه لا يفي بما يعد من ذلك، فانّ النزوع من الترفّه و التلذّذ و معاناة[٢] التّوبة و لا سيما عند الكبر و ضعف البدن أمر صعب و لا يؤمن على الانسان مع مدافعة التوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدّنيا غير تائب كما قد يكون على الواحد دين و قد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتّى يحلّ الأجل و قد نفد المال فيبقى الدّين قائما عليه.
فكان خير الأشياء للانسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقّب الموت فيترك المعاصي و يؤثر العمل الصّالح.
فان قلت: و ما هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته و صار يترقّب الموت في كلّ ساعة يقارف الفواحش و ينتهك المحارم.
قلنا: إنّ وجه التّدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الأمر فيه، فان كان الانسان مع ذلك لا يرعوي و لا ينصرف عن المساوى فانّما ذلك من مرحه و من قساوة لا من خطاء في التدبير كما أنّ الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به فان كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما أمره و لا ينتهى عمّا ينهاه عنه و لم ينتفع بصفته لم يكن
[١] اى اللّه سبحانه م.
[٢] اى مشقتها.