منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٤ - تنبيه ظريف
قالت: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، قلت: فهل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة؟ قالت: وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
فأنخت ناقتي: فقالت: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ، فغضضت بصرى عنها فلمّا أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فقلت لها: اصبرى حتّى أعقلها، قالت: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ.
فشددت لها الناقلة فقلت: اركبي، فركبت فقالت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ، قال: فأخذت بزمام الناقة و جعلت أسعى و اصيح، فقالت: وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، فجعلت أمشى رويدا و أترنّم بالشعر فقالت: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، فقلت لها: لقد اوتيت خَيْراً كَثِيراً^، قالت وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ^.
فلما مشيت بها قليلا قلت: أ لك زوج؟ قالت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، فسرت حتى أدركت القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها؟ قالت: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، فعلمت أنّ لها أولادا قلت: و ما شأنهم في الحجّ قالت: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، فعلمت أنهم أولاد الرّكب فقصدت بها القباب و العماريات.[١] و قلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت: وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فاذا بشبان كأنهم الدنانير قد أقبلوا.
فلما استقرّ بهم الجلوس قالت: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، فمضى أحدهم و اشترى طعاما فقدّموه فقالت كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ فقلت الآن طعامكم حرام علىّ حتى تخبروني بأمرها فقالوا: إنّها امنّا و لها منذ أربعين سنة لا تتكلّم إلّا بالقرآن مخافة أن تزلّ فيسخط عليها الرّحمن.
[١] العمارية كجاوة، منه.