منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٠ - المعنى
فليس يمكن العبد أن يصل إلى اللّه ما لم يسكن البدن و لم يجاوز الدّنيا، فانّ المنزل الأدنى لا بدّ من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى، فالدّنيا مزرعة الآخرة و هي منزل من منازل الهدى و إنّما سمّيت الدّنيا لكونها أدنى المنزلتين فاضطرّ إلى أن يتزوّد من هذا العالم.
فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم فافتقر إلى تعهّد البدن و حفظه و إنّما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء و يطلب له ما يناسبه من الرّزق و أن يدفع عنه ما ينافيه و يضارّه من أسباب الهلاك، فافتقر لأجل جلب الغذا إلى جندين باطن و هو الشّهوة، و ظاهر و هو الأعضاء الجالبة للغذا من اليد و نحوها.
فخلق في القلب من الشّهوات ما كان محتاجا إليه و خلقت الأعضاء لكونها آلة للشّهوة و افتقر لأجل دفع المضارّ و المهلكات أيضا إلى جندين: باطن و هو الغضب الذي به يدفع المهلكات و ينتقم من الأعداء و ظاهر و هو الجوارح التي بها يعمل بمقتضى الغضب من اليد و الرّجل و نحوهما.
ثمّ المحتاج إلى الغذا ما لم يعرف الغذا لم يحصل له شهوة الغذاء فافتقر للمعرفة إلى جندين، باطن و هو إدراك السّمع و البصر و الشّم و اللمس و الذّوق، و ظاهر و هو العين و الاذن و الأنف و غيرها.
فجملة جنود القلب منحصرة في ثلاثة أصناف: صنف باعث و مستحثّ إمّا إلى جلب النّافع الموافق كالشهوة، و إمّا إلى دفع الضار المنافي كالغضب، و قد يعبّر عن هذا الباعث بالارادة، و الصّنف الثّاني هو المحرّك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد و يعبّر عنه بالقدرة و هى مبثوثة في ساير الأعضاء لا سيّما العضلات منها و الأوتار، و الصّنف الثّالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس و هي قوّة البصر و السّمع و الشمّ و الذّوق و اللمس المبثوثة في الأعضاء المعيّنة و قوّة التخيل و التّحفظ و التفكر و نحوها المودعة في تجاويف الدّماغ.
و هذه كلّها ممّا قد أنعم اللّه بها على ساير أصناف الحيوان سوى الآدمي إذ