منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٦ - المعنى
الروافع) أى أنّه تعالى اختاركم بنعمه التامة الكاملة وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً[١] و أعطاكم الصّلات الجليلة الرّفيعة العالية (و أنذركم بالحجج البوالغ) لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[٢] و لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[٣] مبالغة (فأحصاكم عددا و وظّف لكم مددا) يعنى انّه أحصا عددكم و عيّن مدّة عمركم.
و إنّما أعاد ٧ ذكر هذين الوصفين مع اغناء قوله: و وقّت لكم الآجال و أحاط بكم الاحصاء عنه، للتّاكيد و المبالغة، لأنّ ذكر توقيت المدد و توظيف الآجال من أشدّ الجواذب إلى التّقوى، و كذلك المعرفة باحاطة علمه بجزئيات النّفوس و عدم شذوذ شيء منها عنه رادعة لها عن المهالك و المعاطب.
فان قيل: أىّ نكتة في الاتيان بالتّمييز أعنى عددا بعد لفظ الاحصاء مع أنّه لا ابهام فيه و لا خفاء بل هو مغن عنه؟
قلت: السّر في ذلك كما في قوله تعالى: و أحصى كلّ شيء عددا، و هو بيان أنّ علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه اجماليّ بل على وجه تفصيلى، فانّ الاحصاء قد يراد به الاحاطة الاجماليّة كما قال تعالى: و إن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها، أى لا تقدر و اعلى حصرها إجمالا فضلا عن التّفصيل.
و ذلك لأنّ أصل الاحصاء أنّ الحاسب إذ بلغ عقدا معيّنا من عقود الأعداد كالعشرة و المأة و الألف وضع حصاة ليحفظ بها كميّة ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه و قوله (في قرار خبرة و دار عبرة) أراد به أنّه سبحانه عيّن لكم المدد في مقرّ البلاء و الاختيار و دار الاتّعاظ و الاعتبار.
و هى الدّار التي (أنتم مختبرون فيها) بما أعطاكم اللّه فيها لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ و المفسد من المصلح حتّى يزيد في إحسان المحسن و يؤاخذ بعصيان المسيء
[١] اقتباس من الآية.
[٢] اقتباس من الآية.
[٣] اقتباس من الآية في سورة النساء.