منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠١ - المعنى
للحيوان أيضا الشّهوة و الغضب و الحواس الظاهرة و الباطنة فكلاهما شريكان فيها و إنّما اختصّ الانسان بما لأجله عظم شرفه و علا قدره و استأهل القرب.
و هو راجع إلى علم و إرادة أمّا العلم فهو العلم بالامور الدّنيويّة و الاخرويّة و الحقائق العقلية و هذه امور وراء المحسوسات و لا يشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكليّة الضّروريّة من خواص العقل إذ يحكم الانسان بأنّ الشّخص الواحد لا يتصوّر أن يكون في مكانين في حالة واحدة، و هذا حكم منه على كلّ شخص و معلوم أنّه لم يدرك بالحسّ إلّا بعض الأشخاص فحكمه على الجميع زايد على ما أدركه الحسّ، و إذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضّرورى فهو في ساير النّظريّات أظهر.
و أمّا الارادة فانّه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وجهة المصلحة فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة و إلى تعاطي أسبابها و الارادة لها، و ذلك غير إرادة الشّهوة و إرادة الحيوانات، بل ربّما يكون على ضدّ الشّهوة.
ألا ترى أنّ الشّهوة تنفر عن الفصد و الحجامة، و العقل يريدها و يطلبها و يبذل لها المال، و الشّهوة تميل حين المرض إلى لذايذ الأطعمة و العقل يردعها عنها، و لو خلق اللّه العقل العارف بعواقب الامور و لم يخلق هذا الباعث المحرّك للأعضاء على العمل بمقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضايعا على التّحقيق.
فاذا اختصّ قلب الانسان بعلم و ارادة يمتاز بهما من ساير الحيوان، و من هذه الجملة ظهر أن خاصيّة الانسان العلم و الحكمة، و للعلم مراتب و درجات لا تحصى من حيث كثرة المعلومات و قلّتها و شرف المعلوم و خسّته، و من حيث إنّ حصوله قد يكون بالهام ربّانيّ على سبيل المكاشفة كما للأنبياء و الأولياء و قد يكون بطريق الكسب و الاستدلال، و في الكسب أيضا قد يكون سريع الحصول و قد يكون بطيء الحصول.
و في هذا المقام تتباين منازل العلماء و الحكماء و الأولياء و الأنبياء، فدرجات الترقي غير محصورة إذ معلومات اللّه سبحانه غير متناهية و مراقي هذه الدّرجات