منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٤ - و اما الثاني
و اما الثاني
فاليه أشار بقوله: (اجعل شرايف صلواتك و نوامى بركاتك على محمّد عبدك و رسولك) قيل في تفسير العبد: العين علمه باللّه، و الباء بونه عن الخلق، و الدّال دنوّه من اللّه بلا اشارة و لا كيف، يعنى أنّ العبد لا يكون كامل العبودية إلّا إذا كان عارفا باللّه سبحانه قريبا منه بالقرب المعنوي و باينا من الخلق بأن يكون فيهم و لا يكون منهم، و ذلك مستلزم لاستغراقه في طاعة معبوده اذ لولاه لما حصل التّقرب و لا يتحصّل معنى العبودية.
و من هنا قيل: إنّ حقيقة العبودية عنوان ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكا لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك بل يرون المال مال اللّه يضعونه حيث امرهم اللّه، و لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرا، و يكون جملة اشتغاله فيما امر اللّه تعالى و نهاه عنه، فاذا لم ير العبد فيما خوّله اللّه ملكا هان عليه الانفاق و إذا فوّض العبد نفسه إلى مدبّرها هانت عليه مصائب الدّنيا، و إذا اشتغل العبد فيما أمره اللّه و نهاه لا يتفرّغ منهما إلى المراء و المباهات مع النّاس.
فاذا اكرم اللّه العبد بهذه الثّلاث هانت عليه الدّنيا و لا يطلب الدّنيا تفاخرا و تكاثرا و لا يطلب عند النّاس عزّا و علوّا و لا يدع أيّامه باطلة فيكون تاركا لدنياه و فارغا لطاعة مولاه، فاذا وصل العبد إلى هذا المقام انكشفت له الحجابات الغيبية و أدركته الألطاف الرّبانية، و تحصل له معنى العبودية «و هي ظ» جوهرة كنهها الرّ بوبية، و يصير مظهرا لصفات الكمال و مصدرا لنعوت الجلال.
و إلى هذا المعنى ينظر الحديث القدسي: إنّ عبدى ليتقرّب إلىّ بالنّافلة حتّى احبّه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها إن دعانى أجبته و إن سألنى أعطيته و لمّا كان هذا المعنى غاية الكمال وصف اللّه سبحانه جملة من أوليائه المقرّبين في كتابه المجيد بذلك فقال:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ و قال: