منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٣ - المعنى
بالفعل في حال كونها مظلمة معلّلا بأنّا لانراها في الظلمة فهو إمّا لعدمها أو لوجود عايق عن الابصار و الثّاني باطل لأنّ الظلمة عدميّة و الهواء نفسه غير مانع من الرؤية كما إذا كنت في غارة مظلم و فيه هواء كله على تلك الصّفة فاذا صار المرئي مستنيرا رأيته و لا يمنعك الهواء الواقف بينه و بينك.
و ردّه المتأخّرون بأنّه لا شك أن اللّون له مهيّة في نفسه و أنّه يصحّ كونه مرئيا فلعل الموقوف على وجود الضوء هو هذا الحكم، و بالجملة للجسم مراتب ثلاث استعداد أن يكون له لون معيّن، و وجود ذلك اللون بالفعل، و كونه بحيث يصحّ أن يرى فلم لا يجوز أن يكون الموقوف على وجود الضوء هذا الحكم الثالث لا أصل اللّون.
إذا عرفت ذلك فنقول: كناية إنّ معنى قوله: [كلّ بصير غيره يعمي عن خفىّ الألوان و لطيف الأجسام] هو أنّ كلّ بصير غيره تعالى لا يمكن له إدراك الألوان الخفيّة أى الألوان في حال كونها مظلمة لانتفاء شرط الادراك الذي هو الضّوء كما أنّ الأعمى لا يمكن له إدراكها لانتفاء قوة الابصار له، فكنّى عن عدم إدراك البصير لها بالعمى لشبهه بالأعمى في مشاركتها في عدم التّمكن من الادراك، و إن كان عدم التّمكن في حقّ الاوّل من جهة انتفاء الشّرط و في الثّاني من جهة انتفاء الآلة أعنى البصر هذا.
و لعلّ المراد من لطيف الأجسام الأجسام الرّقيقة القوام كالبعوضة و الذّرة و نحوهما، و لما كان بصيرّيته سبحانه عبارة عن علمه بالمبصرات حسبما حقّقنا أيضا في شرح الفضل السّادس من فصول الخطبة الاولى، اختصّ العجز عن إدراك الألوان الخفيّة و الأجسام اللطيفة بغيره سبحانه و أما هو سبحانه فلا تفاوت في علمه بين الخفيّ و الجليّ و اللّطيف و الكثيف.
وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. هذا و يشهد بما ذكرته في تفسير معنى السّميع و البصير و الجسم اللطيف ما رواه