نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٧٩ - قصيدة ختم بها أبو المطرف رسالته لابن الأبار
الأطول كهلها وفتاها ، وأنذر بها في القوم بحران أنيجه [١] ، يوم أثاروا أسدها المهيجة ، فكانت تلك الحطمة طلّ الشؤبوب [٢] ، وباكورة البلاء المصبوب ، أثكلتنا إخوانا أبكانا نعيهم ، ولله أحوذيّهم وألمعيّهم ، ذاك أبو ربيعنا ، وشيخ جميعنا ، سعد بشهادة يومه ، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه ، وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنّق ، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق ، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان ، وأخرج من جسدها روح الإيمان ، فبرح الخفاء ، وقيل : على آثار منح ذهب العفاء ، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء ، فأودت الخفة والحصافة ، وذهب الجسر والرصافة ، ومزقت الحلة والشملة ، وأوحشت الجرف والرملة ، ونزلت بالحارة وقعة الحرّة ، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسرة ، فأين تلك الخمائل ونضرتها ، والجداول وخضرتها ، والأندية وأرجها [٣] ، والأودية ومنعرجها ، والنواسم وهبوب مبتلّها ، والأصائل وشحوب معتلها ، دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها ، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها تردّدها وحيرتها ، ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها ، حتى أحاطت بجزيرة شقرها ، فآها لمسقط الرأس هوى نجمه ، ولفادح الخطب [٤] سرى كلمه ، ويا لجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها ، وروضة أجاد أبو إسحاق [٥] نعتها ، وإنما كانت داره التي فيها دبّ ، وعلى أوصاف محاسنها أكب ، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب ، ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه ، ودمعهم عليها أراقوه ، وقد أثبت من النظم ما يليق بهذا الموضع ، وإن لم يكن له ذلك الموقع : [الطويل]
| أقلّوا ملامي أو فقولوا وأكثروا | ملومكم عما به ليس يقصر | |
| وهل غير صبّ ما تني عبراته | إذا صعدت أنفاسه تتحدّر [٦] | |
| يحن وما يجدي عليه حنينه | إلى أربع معروفها متنكّر | |
| ويندب عهدا بالمشقّر فاللّوى | وأين اللوى منه وأين المشقّر |
[١] في ه «وأنذرها في القوم بحران أينجة». والبحران : المرض ، وأراد أن مرض أنيجة كان إنذارا بسقوط بلنسية.
[٢] الشؤبوب : الدفعة القوية من المطر.
[٣] الأرج : الريح العطرة الطيبة.
[٤] فادح الخطب : عظيم المصيبة. والكلم : الجرح.
[٥] أبو إسحاق : هو ابن خفاجة وهو من جزيرة شقر.
[٦] ما تني : ما تفتر ولا تضعف ، والعبرات : الدموع.