نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٣٥ - ومن إنشاء لسان الدين من جملة رسالة على لسان سلطانه أبي الحجاج يخاطب الرعايا
على مألوف الحساب ، وتكالب التثليث على التوحيد [١] ، وساءت الظنون في هذا القطر الوحيد ، المنقطع بين الأمة الكافرة والبحور الزاخرة والمرام البعيد ، وإننا صابرنا بالله تعالى تيّار سيله ، واستضأنا بنور التوكل عليه في جنح هذا الخطب ودجنّة ليله [٢] ، ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق ، واعتلقنا [٣] من حبله المتين بأوثق العلائق ، وفسحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق ، وأخلصنا لله مقيل العثار ومؤوي أولي الاضطرار قلوبنا ، ورفعنا إليه أمرنا ووقفنا عليه مطلوبنا ، ولم نقصر مع ذلك في إبرام العزم ، واستشعار الحزم ، وإمداد الثغور بأقصى الإمكان ، وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاد على الأحيان ، فرحم الله تعالى انقطاعنا إلى كرمه ، والتجاءنا إلى حرمه ، فجلّى بفضله سبحانه ظلم الشدة ، ومد على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدة ، وعرفنا عوارف الصنع الذي قدم به العهد على طول المدّة ، ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف [٤] الركاب ، واحتشاد الأحزاب ، وأظهر فينا قدرة ملكه عند انقطاع الأسباب ، واستخلاص العباد والبلاد من بين الظّفر والناب ، فقد كان جعجع على الحق بأباطيله [٥] ، وسد المجاز بأساطيله ، ورمى الجزيرة الأندلسية بشؤبوب [٦] شرّه ، وصيرها فريسة بين غربان بحره وعقبان برّه ، فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرقبة إلا على الخطر الشديد ، والإفلات من يد العدوّ العنيد مع توفر العزائم والحمد لله على العمل الحميد ، والسعي فيما يعود على الدين بالتأييد ، وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد ، وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد ، واليأس والرجاء خصمان هذا يقرب وهذا يبعد ، إذا طلع علينا البشير بانفراج الأزمة ، وحلّ تلك العزمة ، وموت شاه تلك الرقعة ، وإبقاء الله تعالى على تلك البقعة ، وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغترارا ، وأعظم أنصارا ، وزلزلت [٧] أرض عزه وقد أصابت قرارا ، وأن شهاب سعده قد أصبح آفلا ، وعلم كبره انقلب سافلا ، وأن من بيده ملكوت السماوات والأرض طرقه بحتفه [٨] ، وأهلكه برغم أنفه ، وأن محلته عاجلها التّباب والتّبار ، وعاثت في منازلها النار ، وتمخض [٩] عن سوء عاقبتها الليل والنهار ، وأن حماتها يخبرون بيوتهم بأيديهم ، وينادي بشتات الشمل لسان مناديهم ، وتلاحق الفرسان من جبل الفتح المعقل الذي عليه من عناية الله تعالى رواق مضروب ، والرباط الذي من حاربه فهو المحروب،
[١] أراد بالتثليث : النصرانية ، وبالتوحيد : الإسلام.
[٢] دجنة الليل : ظلمته الشديدة.
[٣] اعتلقنا : تمسكنا وفي ب «اعتقلنا».
[٤] إيجاف الركاب : إعمال الخيل وإجراؤها.
[٥] جعجع : اشتد صوته.
[٦] الشؤبوب : في الأصل : الدفعة من المطر.
وهنا : الشر القوي المتدافع.
[٧] في ب «وزلزل أرض عزه».
[٨] الحتف : الموت.
[٩] في أصل ه «وتمحض عن سوء عاقبتها».